الأسواق تختبر عزم البنك المركزي الأوروبي

الأسواق تختبر عزم البنك المركزي الأوروبي

العصر الذهبي من التضخم المنخفض وعوائد السندات المنخفضة جعل كثيرا من المستثمرين المملين المتمسكين بمؤشرات سوق الأسهم الأساسية يبدون كأنهم عباقرة. وبدأنا نرى كيف جعل ذلك محافظي البنوك المركزية يبدون أبطالا أيضا.
لنعد بالذاكرة إلى تموز (يوليو) 2012. كانت سوق السندات الحكومية في منطقة اليورو في حالة فوضى، وكانت اليونان في المركز والموجات تضرب أي دولة عضو أخرى ينظر إليها على أنها مترنحة ماليا. بدأ الأشخاص المتعقلون عموما غير المأخوذين بالمبالغة في التساؤل عما إذا كانت العملة الموحدة ستنجو من الأزمة وتخرج سليمة.
ومن ثم يدخل ماريو دراجي في الصورة، وكان آنذاك لا يزال رئيسا جديدا نسبيا للبنك المركزي الأوروبي. في رحلة إلى لندن نطق بعبارة مشهورة الآن، قائلا إنه والبنك المركزي الأوروبي سيفعلان "كل ما يلزم" لإنقاذ اليورو.
كانت هذه العبارة الصغيرة كافية لإخماد النار. وبالتأكيد كان الطريق أمامهم مليئا بالمصاعب، لكن السوق وثقت بمصرفي بنك جولدمان ساكس السابق الذي كانت لديه طريقة معينة في استخدام الكلمات وموهبة في جعل المتداولين والمستثمرين يفعلون ما يريد. أصبحت تلك اللحظة تاريخية في سجلات السياسة النقدية.
الآن، لدينا مخاوف بشأن أسواق منطقة اليورو مرة أخرى. حتى الآن، ما يحدث عبارة عن مشكلة صغيرة إلى حد ما، وبشكل يبعث على السخرية نجمت عن استقالة دراجي من وظيفته التالية، رئيسا لوزراء إيطاليا. ألحقت الفترة التي سبقت رحيله الضرر بالسندات الحكومية الإيطالية، ما وسع الفجوة بين العائدات القياسية الإيطالية والألمانية وتسببت في ذعر البنك المركزي الأوروبي من احتمال التشرذم.
بعد ساعات من استقالته من رئاسة الوزراء جذبت كريستين لاجارد، خليفته في البنك المركزي الأوروبي اهتماما خاصا بإعلانها أول ارتفاع في أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي منذ 11 عاما قفزة تاريخية بلغت نصف نقطة مئوية تهدف لخفض التضخم الجامح.
علاوة على ذلك، ولمعالجة التشرذم، أعلنت إنشاء "أداة حماية الانتقال"، وهي خطة لمساعدة أي دولة عضو في منطقة اليورو "ما يعني إيطاليا" لدرء عدم استقرار السوق غير المبرر. قالت لاجارد تعليقا على الخطة: "البنك المركزي الأوروبي قادر على القيام بأمور كبيرة".
رد السوق كان حالة عدم إعجاب سريعة. ارتفع اليورو في البداية وارتفعت أسعار السندات الحكومية الإيطالية. لكن كلما تحدثت لاجارد عن كيفية عمل أداة حماية الانتقال، وكيف تم إنشاؤها، ومعايير الأهلية وما إلى ذلك، انعكست هذه الخطوات.
بول دونوفان، كبير الاقتصاديين في شركة يو بي إس جلوبال ويلث مانجمنت، قال في تقييم مثير للسخرية: "خطة التلاعب بسوق السندات هي "نفعل ما نريد، وقتما نريد". أضاف: "يتم تحديد الشروط من قبل البنك المركزي الأوروبي، ما يطلق العنان للتلاعب بالسوق، وهذا ليس تقييما موضوعيا. تضيف الخطة الحماس للحياة المملة (...) لمتداولي السندات، ما يوجد حالة من البحث عن الكنز لاكتشاف مستويات تدخل البنك المركزي الأوروبي".
ارتكبت لاجارد بعض الأخطاء البارزة في الماضي، لا سيما عندما أشارت في مرحلة مبكرة من أزمة كوفيد إلى أنها لن تدعم سوق السندات، وهي رسالة مشوشة اعتذرت عنها سريعا.
الآن، بفضل هذه الخطة جزئيا، يبدو أن هذا الصيف سيتسم بمزيد من الضعف في اليورو وربما أيضا هجوم على السندات الحكومية الإيطالية. بالفعل اتسعت الفجوة بين عوائد السندات الإيطالية والألمانية لأجل عشرة أعوام لتصل إلى نحو 2.4 نقطة مئوية، وأصبحت قريبة بشكل مؤلم منطقة الخطر المحسوسة، 2.5 في المائة.
في ظاهر الأمر، تبدو هذه الخطوة خطأ آخر. لكن هذا غير عادل. الموظفون ليسوا المشكلة هنا. بدلا من ذلك، إنها القوة التي تهز الأسواق في جميع أنحاء العالم: التضخم.
تقول سونيا لاود، كبيرة مسؤولي الاستثمار في شركة إل جي آي إم في لندن: "ستأتي مرحلة يتم فيها اختبار البنك المركزي الأوروبي بشكل أكثر جدية. سنحتاج إلى شيء معادل للحظة خطاب "كل ما يلزم". لكن دراجي لم يكن قادرا على القيام بذلك إلا في سياق تضخم أقل بكثير".
كان دراجي قادرا بشكل فعال على قول: "ثقوا بي، سأضع المال والتسهيل النقدي في هذه المشكلة، واسألوني عن التفاصيل لاحقا". لا تملك لاجارد المساحة نفسها من الحرية.
كان التضخم السنوي بالكاد يتجاوز صفرا في المائة عندما ألقى دراجي عبارته قبل عقد من الزمن. الآن يبلغ 8.6 في المائة. تتمثل مهمة لاجارد في إعادته إلى 2 في المائة.
إضافة إلى ذلك، أداة حماية الانتقال، اختصارها تي بي آي "ويجب عدم الخلط بينها وبين الاختبار الطبي الشائع لمرض الزهري الذي يحمل الاسم نفسه، ولا مع شركة تي بي آي أوروبا -شركة تقدم "تحليل الاهتزاز" على الآلات"، تأتي مع شروط مرفقة. يجب أن تكون الدول المؤهلة قادرة على إثبات الاستدامة المالية وسياسات الاقتصاد الكلي السليمة، من بين أمور أخرى.
هذا أمر صعب عندما لا يكون لإيطاليا رئيس وزراء. إذا كانت السوق قد اضطلعت بهذا الأمر حقا، فمن غير الواضح مدى السرعة التي يمكن بها توجيه أداة حماية الانتقال للمساعدة.
يقول فاسيليوس جكيوناكيس، رئيس استراتيجية العملات لمجموعة العشرة في سيتي بنك: "نعتقد أن غموض البنك المركزي خيب آمال السوق". وهو ينصح بالاستمرار في بيع اليورو.
كل هذا يؤكد أن صانعي السياسة اليوم غير قادرين على الإنقاذ بالاشتراك مع البنك المركزي على النحو الذي كانوا عليه في الماضي، سواء كان ذلك للمساعدة على تهدئة نوبات الغضب في السوق أو حماية الدول من الإجهاد.
تقول لاود: "لقد اعتبرنا التضخم المنخفض أمرا مسلما به. لقد غير التضخم السرد بشكل كبير. إلغاء دور البنوك المركزية في التدخل عبر خفض أسعار الفائدة لمنع انخفاض أسعار السندات وغيرها من التقييمات يغير الأسواق بشكل جذري".

الأكثر قراءة