التضخم .. ماذا نفعل وينبغي لنا أن نتجنب؟ «3 من 3»

مع استمرار الاستهلاك الحقيقي عند مستواه الطبيعي، لا يوجد من الأسباب ما قد يحملنا على الاعتقاد بأن اقتصاد الولايات المتحدة يعاني مشكلة خطيرة تتمثل في الطلب الزائد. ما يزيد الطين بلة أن أسعار الفائدة المرتفعة وتأثيراتها في أسواق الإسكان من المرجح أن تأتي بنتائج هدامة. ذلك أن الإيجارات تعد مكونا مهما في مؤشر أسعار المستهلك، وكانت في ارتفاع بشكل حاد، وهو ما يرجع جزئيا إلى نقص العرض. والآن بعد تلقي المعروض من المساكن ضربة جديدة بفعل ارتفاع أسعار الرهن العقاري، فإن أي فائدة في الأمد القريب في هيئة انخفاض في الطلب سيعوض عنها جزئيا بفعل ارتفاع تكاليف الإسكان.
وبشأن المناقشة الحقيقية للقضية، يشير هذا المثال إلى قضية أكبر، لأن عديدا من أبعاد التضخم الرئيسة اليوم، مثل أسعار الغذاء، والسكن، والطاقة والسيارات، من المرجح أن تستجيب فقط لارتفاع معتدل في أسعار الفائدة. على سبيل المثال، انخفضت بالفعل طلبات شراء الرهن العقاري بأكثر من 20 في المائة من المستويات التي كانت عليها قبل عام واحد، وأصبحت التخفيضات في أسعار قوائم المساكن منتشرة على نطاق واسع. مع ذلك، لا يخلو الأمر من إغراء زيادة أسعار الفائدة أكثر من اللازم وبسرعة أكبر مما ينبغي، ولهذا السبب ينتشر الخوف الآن من ركود يلوح في الأفق.
ولكن على الرغم من كل الضجيج حول التضخم واستجابة السياسة النقدية، نجد أن الخلاف أقل مما قد يتصور المرء. يعتقد معظم المعلقين المنتمين إلى كل من اليسار واليمين أن زيادة أسعار الفائدة أمر واجب. ينبع هذا الجدال من تساؤلات مثل، متى ينبغي لنا أن نقلق من تزايد أسعار الفائدة بدرجة أكثر مما ينبغي وبسرعة أكبر من اللازم؟ وبأي درجة ينبغي لنا أن نكون حرصاء على اتخاذ تدابير وقائية؟
يريد صقور التضخم رفع أسعار الفائدة إلى أن يصبح التضخم خافتا أو إلى أن يصبح ألم زيادة البطالة وانخفاض النمو لا يـطاق "حتى في ذلك الحين، سيشتكون من الافتقار إلى الجرأة". على النقيض من ذلك، يسوق أولئك الأكثر اهتماما بالاقتصاد الحقيقي والعمال العاديين الحجج لمصلحة نهج تدرجي، والذي يقضي بحجب قدر كبير من إحكام السياسات إلى أن يظهر دليل على تسارع كبير في التضخم.
في الإبحار عبر هذا الانقسام، ينبغي لنا أن نتذكر أن اقتصاد اليوم مختلف تماما عن اقتصاد سبعينيات القرن الـ20. من الحماقة أن نطبق حلول السبعينيات على المشكلات التي تواجهنا في 2022. الحق أن الاقتصاد مختلف تمام الاختلاف: فقد أصبحت العولمة أشد تأثيرا وأصبحت النقابات أضعف بشكل ملحوظ. وعلى هذا، يجب أن تتحول المناقشة إلى ما تستطيع الحكومة فعله أيضا لترويض التضخم وإدارة أشد آثاره سلبية، وأي الأفكار السياسية والاقتصادية من المرجح أن ترشدنا إلى الأهداف التي نسعى إليها.
حتى أغلب الذين اشتكوا من الطلب الزائد يدركون أن التضخم اليوم مدفوع إلى حد كبير بارتباكات جانب العرض، وأنه في حين لم يكن من الممكن التنبؤ بأي من الصدمات بقدر كبير من الدقة، فقد فشل القطاع الخاص بدرجة كبيرة.
مرة أخرى، فرض السلوك قصير النظر "من ذلك النوع الذي رأيناه خلال الفترة التي سبقت الأزمة المالية في 2008" تكاليف باهظة على المجتمع. في عالم مضطرب تكتنفه مخاطر متعددة، تفتقر اقتصاداتنا تماما إلى المرونة والقدرة على الصمود.
خاص بـ «الاقتصادية»
بروجيكت سنديكيت، 2022.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي