جفاف الاستثمار في العقدين الماضيين يتمكن منا

جفاف الاستثمار في العقدين الماضيين يتمكن منا
انخفض صافي الاستثمار الحكومي في الولايات المتحدة نحو الثلثين في العقد المنتهي في 2014.

في كل الأحاديث التي تدور حول "إعادة البناء بشكل أفضل" وجعل الاقتصادات "في وضع مناسب" و"مستقلة استراتيجيا" و"مرنة"، هناك فرضية غير معلنة لكنها مأساوية. لعقود من الزمان لم تبن معظم الاقتصادات المتقدمة مستقبلها بل عانت جفافا استثماريا والفضيحة الأعظم هي عدم الاعتراف بذلك.
بين 1970 و1989، تراوح متوسط حصة الناتج المحلي الإجمالي المخصص للاستثمار من ستة من أكبر سبعة اقتصادات في العالم من 22.6 في المائة للولايات المتحدة إلى 24.8 في المائة لألمانيا. نشز الاقتصاد السابع، اليابان، بنسبة 35 في المائة.
من بين مجموعة السبع، كانت كندا الوحيدة التي واصلت على هذا المستوى من الاستثمار: بالكاد انخفضت نسبتها البالغة 22.5 في المائة في هذه الألفية من 22.8 حينها. نجح البقية في مجاراة مستويات استثماراتهم في الفترة من 1970 إلى 1989 فقط في أربع حالات: الولايات المتحدة في أعوام الطفرة في 2000 و2005 إلى 2006، وفرنسا في 2021.
لكن الأعوام الـ 20 الماضية تمثل حقبة تكاليف التمويل الأكثر انخفاضا على الإطلاق، أولا بسبب الوفرة في السوق، ثم بفضل السياسة النقدية الفضفاضة للغاية للبنوك المركزية. وماذا لدينا لنظهره مقابل الائتمان الرخيص؟ عقدان ضائعان من الاستثمار. تصف آني لوري الكاتبة الاقتصادية، الوضع بإيجاز: "لقد أفسدنا الأمر".
استثمرت فرنسا والولايات المتحدة أقل بنقطتين مئويتين تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي هذا القرن مقارنة بما استثمرتاه في السبعينيات والثمانينيات وألمانيا وإيطاليا أقل نحو 4.5 نقطة، والمملكة المتحدة واليابان ست وعشر نقاط مئوية أقل على التوالي. هذه أرقام هائلة. تمثل مجموعة السبع نحو 45 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي السنوي. يمكن لاستعادة نسب استثماراتها أن تسد تقريبا نصف النقص العالمي إلى مبلغ أربعة تريليونات دولار الذي تطالب به وكالة الطاقة الدولية في الاستثمار السنوي في التكنولوجيا النظيفة إذا أردنا تحقيق هدف صافي الصفر بحلول 2050.
هذه أرقام الاستثمار الإجمالية، لكن تنطبق قصة مشابهة على القطاع العام وحده. في الولايات المتحدة انخفض صافي الاستثمار الحكومي "بعد احتساب انخفاض قيمة مخزون رأس المال العام الحالي" نحو الثلثين في العقد المنتهي في 2014، عندما انخفض إلى 0.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
في منطقة اليورو، انخفض صافي الاستثمار العام إلى السالب في العام نفسه، وذلك بسبب التقشف المالي الشديد في أطراف منطقة اليورو ونقص الاستثمار المزمن في ألمانيا.
سينجذب بعض إلى الادعاءات القائلة إنه لا داعي للشعور بالقلق. من الطبيعي أن تستثمر أقل عندما تصبح أكثر ثراء، كما تقول إحدى الحجج، لأن الإضافة إلى مخزون رأسمالي كبير أصلا يصبح أمرا بلا فائدة على نحو متزايد. تقول الحجة الأخرى إن تكلفة السلع الرأسمالية انخفضت، لذا فإن الأموال نفسها تشتري لك مزيدا من الاستثمار الحقيقي. الحجة الثالثة هي أن الاقتصاد الحالي يحتاج إلى رأسمال غير ملموس، رأسمال غير مادي، وبينما يصعب قياس ذلك، يبدو أن الدول تؤدي أداء أفضل على هذه الجبهة.
لكن هذه الطمأنة حتى لو كانت صحيحة من الناحية الواقعية، لا فائدة منها. لا يمكن لأي شخص يلقي نظرة فاحصة على البنية التحتية المادية لمعظم الدول الغربية أن يعتقد أنها ستفي بالغرض، ليس عندما يتوسع هذا الغرض ليشمل إزالة الكربون من صناعاتنا وأنظمة الطاقة والنقل لدينا.
لماذا عشنا فترة طويلة على الاستثمارات السابقة وفشلنا في القيام باستثمارات جديدة كافية؟ من الواضح أن تكاليف التمويل لم تكن هي المشكلة، حيث انخفضت أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية. "كانت دول منطقة اليورو التي تضررت من أزمة الديون السيادية هي الاستثناء، لكن حتى إسبانيا وإيطاليا استثمرتا بمستويات أعلى من بريطانيا لعقود".
السببان الأكثر احتمالا هما نقص الطلب والعمالة الرخيصة. الشركات التي لا تتوقع طلبا كافيا لاستيعاب الإنتاج الموسع لا تملك سببا للاستثمار. وعندما يسمح لها بمعاملة العمال على أنهم رخيصون ويمكن التخلص منهم، فقد تختار ذلك على استثمارات رأسمالية نهائية. هذا هو السبب في أن نمو الأجور الأسرع وما يسمى "بنقص العمالة" في الحقيقة منافسة على العمال أمران ينبغي أن نتبناهما إذا أردنا دفع الشركات إلى استثمارات مثمرة.
قد ينطبق شيء مشابه على الطاقة الرخيصة في أوروبا. إذ كان العقد الأول من القرن الـ 21 وقتا للغاز الطبيعي منخفض التكلفة بشكل غير عادي وبالتالي الكهرباء. من الممكن أن ذلك قد قوض الحاجة الملحة إلى الاستثمار في كل من توليد الطاقة المتجددة بشكل أكبر وتطوير الغاز الطبيعي الآمن من الناحية الجيوسياسية. كانت أسعار النفط أيضا منخفضة خلال معظم العقد.
لكن في ظل هذه العوامل الاقتصادية أعتقد أن فشلنا في الاستثمار هو فشل سياسي بعمق. رفع نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي، سواء من خلال تعزيز الاستثمار الخاص أو العام، أو كليهما، يعني أن نسبة أقل من الناتج المحلي الإجمالي تترك للاستهلاك. حتى لو كان هذا يمهد لمستقبل أفضل، فقد يبدو كأنه وجود أقل أهمية في الوقت الحاضر. وهذا أمر يخشى جيل من السياسيين في العالم الغني إلحاقه بناخبيهم.
هذا ينطبق على أوقات اليسر، عندما تكون مدفوعات التحويل والتخفيضات الضريبية والسلع العامة الفورية كلها أكثر جاذبية من الناحية السياسية من الاستثمار الرأسمالي. "يوجد شيء مكافئ يحدث في القطاع الخاص: شاهد اختيار الشركات لإعادة الأموال إلى أصحابها عبر عمليات إعادة شراء الأسهم بدلا من الاستثمار في نموها الخاص". أيضا ينطبق على الأوقات العصيبة عندما يكون الاستثمار أسهل إنفاقا يمكن خفضه بالنسبة إلى الحكومات والشركات التي تشد الأحزمة.
أصبحت الدول الأوروبية تندم على كيفية استخدام "عائد السلام" لعام 1989 لخفض الإنفاق الدفاعي. لقد دفعت تلك اللحظة الغرب ككل إلى نسيان الفكرة الأوسع للتضحية قصيرة الأجل من أجل مستقبل أكثر ازدهارا. لكن هذا ليس أمرا حتميا، حيث إن هناك استثناءات مثل كندا وعرض الاستثمار المستدام في دول الشمال. لقد نسي الناخبون والحكومات الغربية على حد سواء خصلة تأجيل إشباع الرغبات. عليهم أن يتعلموها مرة أخرى، وبسرعة.

الأكثر قراءة