هربرت ديس .. الرئيس التنفيذي لشركة فولكس واجن يصل إلى طريق مسدود
عندما قام إيلون ماسك، أقوى منافس لهربرت ديس، رئيس شركة فولكس واجن، بركن سياراته الكهربائية في حديقة المجموعة الألمانية من خلال بناء مصنع على بعد 200 كيلومتر فقط من مقر الشركة التاريخي في وولفسبورج، كانت ردة فعل الرئيس التنفيذي البافاري أكثر لطفا من توقعات كثيرين.
قال ديس علنا لكل من كان يسمعه بأن شركة تسلا "تمهد الطريق" وأنها "تقوم بعمل جيد للصناعة". كان تصريحه مسرفا في مدح إنجازات ماسك، حتى إنه دعا أغنى رجل في العالم لإلقاء محاضرة في قاعة أمام مديري "فولكس واجن" وكان يحاول تقليد استخدام ماسك لوسائل التواصل الاجتماعي. في حديث خاص له، قال ديس ممازحا إنه يتمنى أن ينقل ماسك مصنعه "مسافة 100 كيلومتر أقرب" إلى مقر فولكس واجن، حتى يتمكن العمال من رؤية الشركة الأمريكية أمامهم.
لكن على الرغم من أن ديس قد اكتسب سمعة سيئة بسبب الزلات التي وقع فيها، إلا أنه تعمد الإدلاء بهذه التصريحات المستفزة. قال دانيال روسكا، محلل في "بيرنشتاين"، عن محاولة المدير تحويل الشركة التي تلوثت سمعتها بفعل فضيحة انبعاثات الديزل إلى شركة رائدة في مجال الكهرباء، "شعر أنه إذا قام بإزعاج بعض المسؤولين الكبار، فإنه يسير في الاتجاه الصحيح. استراتيجيته كانت تهدف إلى كسب كل شيء أو لا شيء البتة".
توقفت هذه الجهود نهائيا الجمعة عندما عقد مجلس الإشراف على الشركة اجتماعا استثنائيا بناء على طلب من عائلة بورش بييتش التي لا تزال أكبر المساهمين في شركة فولكس واجن، واتفقوا فيه على إقالة ديس بشكل فوري تقريبا، بعد ساعات من مغادرة الرئيس التنفيذي لقضاء عطلة الصيف.
أما خارج عالم السيارات، فقد اشتهر ديس بوقوعه في سلسلة من الهفوات علنا. في 2019، قال لشبكة بي بي سي إنه "ليس على علم" بمعسكرات الاعتقال الصينية في منطقة شينجيانج، واستمر في الدفاع عن وجود شركة فولكس واجن هناك. أجبر على الاعتذار عن استخدام عبارة "العمل يمنحك الحرية" في إحدى مناسبات الشركة، في إشارة إلى حوافز الربح، لكن العبارة مماثلة لإحدى شعارات النازية.
في وقت سابق من هذا العام، أثار ديس مشاعر الغضب في أوكرانيا بعد أن اقترح أن تسعى أوروبا إلى التفاوض مع روسيا، وهي وجهة نظر شائعة في أوساط الشركات الألمانية لكن نادرا ما يعبر عنها أحد على المسرح الدولي.
في بلاده، اكتسب ديس سمعة سيئة لأسباب تتعلق بالقضايا المحلية - ولا سيما المناوشات التي دارت بينه وبين مجلس الأعمال القوي في شركة فولكس واجن، إذ يمثل 60 ألف موظف في فولفسبورج ومعظم الموظفين الإضافيين البالغ عددهم 230 ألفا في مجمل ألمانيا. أثار غضب هذه الشركة - التي تسيطر فعليا على مجلس الإشراف من خلال تحالف غير رسمي مع ولاية ساكسونيا السفلى، ثاني أكبر مساهم في فولكس واجن - من خلال الإشارة إلى أن المجموعة يعمل لديها 30 ألف موظف زائد عن حاجتها في البلاد.
العام الماضي، أشار ديس أيضا إلى أن "فولكس واجن" استغرقت نحو 30 ساعة لإنتاج سيارة كهربائية، بينما تمكن موظفو "تسلا" من فعل الشيء نفسه في غضون عشر ساعات فقط.
نتيجة لمثل هذه المواجهات، تعرض ديس لعدة كدمات خلال فترة عمله التي استمرت أربعة أعوام، مثل إعفائه من المسؤولية المباشرة عن أكبر علامة تجارية للمجموعة، علامة فولكس واجن في 2020، كما أعفي العام الماضي من منصبه رئيسا لأعمال "فولكس واجن" في الصين.
قال أحد المقربين من الرئيس التنفيذي، "كان يتخذ القرارات دون أي اعتبار لمشاعر زملائه". أضاف الشخص نفسه أن ديس يعتقد أن النهج القتالي هو "الطريقة الوحيدة لتحريك فولكس واجن" وتأمين مستقبل المجموعة.
إنجازات ديس، التي تضمنت طرح أولى السيارات الكهربائية لشركة فولكس واجن المصممة لأغراض خاصة كجزء من محاولات دفعه للشركة نحو التكنولوجيا بقيمة 52 مليار يورو، أكسبته تمديد عقد مبكر من قبل مجلس الإشراف في العام الماضي فقط.
قال أحد المطلعين على قرارات مجلس الإشراف، "لطالما كانت الصورة مختلطة وغير واضحة". أضاف أنه حتى وقت قريب جدا، كانت مهارات ديس في الإدارة تتمتع "بنقاط قوة أكثر من نقاط الضعف".
لكن الجمعة، صوت جميع أعضاء مجلس الإدارة المكون من 20 مقعدا على إقالة ديس، ولم يعط الرئيس البالغ من العمر 63 عاما فرصة للدفاع عن نفسه. تم إبلاغه بالقرار الوشيك قبل يومين فقط من صدوره، وفقا لما ذكره أحد المطلعين على الأحداث.
لم تؤكد الشركة أو النقابات أو المساهمون علنا السبب المفاجئ الذي دعاهم لعدم قبول موقف ديس. لكن دانييلا كافالو، رئيسة مجلس الأعمال، اشتكت من أن ذراع برمجيات شركة فولكس واجن، التي تحمل ديس مسؤوليتها بشكل شخصي، لم تكن تعمل بكفاءة، ما اضطر العلامتين المتميزتين اللتين تملكهما "فولكس واجن"، وهما "أودي" و"بورش"، إلى الاعتماد على أنظمتهما الخاصة بينما كانتا تنتظران من ذراع التكنولوجيا على مستوى المجموعة اللحاق بهما.
الأهم من ذلك، أشارت كافالو إلى الأداء الباهت لشركة فولكس واجن في الصين، التي كانت تعد لعقود من الزمان محرك النمو للشركة وسوقها الأكبر والأكثر ربحية. لم يتم بيع سيارات فولكس واجن الكهربائية الجديدة، من صنف أي دي، كما كانت تأمل الشركة، وذلك كما جادلت كافالو يرجع بصورة جزئية إلى فشل الشركة في تلبية الطلبات التفضيلية للمستهلكين المحليين، مثل توفير آلات الكاريوكي داخل السيارة.
في الأسابيع الأخيرة، توصلت عائلة بورش بييتش إلى الاعتقاد بأن تمديد عقد ديس كان "غلطة"، وفقا لما ذكره أحد المقربين من المساهمين.
استخدم رئيس الشركة نبرة يغلب عليها طابع التصالح عندما تحدث إلى العمال الشهر الماضي، حيث أخبر الموظفين أنه يعتقد أن "فولكس واجن" ستتفوق على "تسلا" في المبيعات العالمية للسيارات الكهربائية بحلول 2025، مشيرا إلى الصعوبات التي واجهها ماسك أخيرا في تشغيل المصانع بكامل طاقتها. أضاف الشخص نفسه، "لكننا بدأنا ندرك أنه لم يتغير حقا".
توصل مجلس الإدارة إلى استنتاج مفاده أن خليفة ديس، الرئيس التنفيذي لشركة بورشه، أوليفر بلوم، "ربما هو المدير الأكمل، لأنه قادر على رؤية الجانب التشغيلي للشركة"، كما أضاف الشخص المقرب من مجلس الإشراف. يتمتع بلوم البالغ من العمر 54 عاما بميزة إضافية تتمثل في مولده بالقرب من وولفسبورج وأنه قضى حياته المهنية في مجموعة فولكس واجن، على عكس ديس، الذي التحق بالشركة في 2015 بعد أن عمل في شركة بي إم دبليو.
قال وولفجانج بورشه وهانس ميشيل بييتش، اللذان يتحدثان بالنيابة عن عائلة بورشه بييتش، إن بلوم كان يتمتع "بثقتهما الصريحة لأعوام عديدة". وأضافا أنه أشرف على طرح سيارة تايكان الكهربائية من بورشه، التي أصبحت الآن أكثر شهرة من طراز 911 العريق.
ومع ذلك، فإن تعيين بلوم يهدد بعرقلة التعويم لعلامة بورشه التجارية - وهي الأكثر ربحية في أسطول سيارات "فولكس واجن"- الذي طال انتظاره، في وقت لاحق من هذا العام. بلوم، الذي سيحتفظ بمنصبه في بورشه في مدينة شتوتغارت حتى بعد توليه المنصب الأعلى في مقر الشركة في وولفسبورج اعتبارا من أيلول (سبتمبر)، سيضطر إلى تقسيم وقته بين إدارة ثاني أكبر شركة لصناعة السيارات في العالم وكذلك الاستعداد لما يعتقد أنه سيصبح أكبر إدراج عام تشهده ألمانيا في عقود.
جادل روسكا من برنشتاين بأن هذا الترتيب يتعارض مع هدف "فولكس واجن" المعلن بشأن التعويم الجزئي، لإعطاء بورش مزيدا من "الحرية في ريادة الأعمال".
قال روسكا، "إذا كنت تحاول منح شركة بورش أيه جي مزيدا من الاستقلالية (...) فستؤدي هذه الخطوة إلى حدوث العكس تماما"، وأنها ستضيف إلى المخاوف بشأن هيكل حوكمة الشركات الذي يشبه المتاهة لمجموعة فولكس واجن.
لن تكون هناك أيضا بداية جديدة تماما في وولفسبورج، حيث ستقع الإدارة اليومية لشركة فولكس واجن ضمن مسؤولية المدير المالي أرنو أنتليتز، وهو مستشار سابق في شركة ماكينزي تمت ترقيته إلى منصب مدير العمليات، وكان متفقا مع ديس على حاجة المجموعة إلى خفض كبير في التكاليف في مواقعها في ألمانيا.
في وقت متأخر من الجمعة، نشر ديس على تويتر صورة له بجوار شاحنة صغيرة كهربائية من صنع "فولكس واجن" وهو يبتسم برضا. في وقت سابق، في إحدى منشوراته على منصة لينكد إن، أكد ديس أن الصعوبات التي واجهتها شركة فولكس واجن أخيرا كانت ترجع جزئيا إلى أمور أبعد من وولفسبورج، مشيرا إلى نقص أشباه الموصلات، وتحديات أخرى تتعلق بسلاسل التوريد، وارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة.
لكن حتى الظروف الاقتصادية الأكثر ملاءمة لم تحم أسلافه من أصحاب النفوذ في شركة فولكس واجن على الرغم من اختلافاتهم. بذلك يصبح ديس رابع رئيس للشركة على التوالي لم يكمل مدة عقده.
قال الشخص المقرب من الرئيس التنفيذي المنصرف، "هناك كثير من المصالح المتباينة في هذه الشركة. إنها شركة مدرجة، لكنها إلى حد كبير، في حوزة أفراد".