تداعيات التضخم تقلص استهلاك الأمريكيين .. وادخارهم أيضا
على بعد أكثر من ألف ميل من وول ستريت، في منظمة فيدينج تامبا باي للإغاثة الغذائية في فلوريدا، يرى رئيسها توماس مانتز الصعوبة التي يواجهها المستهلكون الأمريكيون للتعامل مع ارتفاع أسعار ضرورات الحياة.
قال مانتز إن "انعدام الأمن الغذائي" آخذ في الارتفاع مرة أخرى في منطقته التي تتألف من عشر مقاطعات في غرب وسط فلوريدا، وذلك بعد أن انخفض من ذروته خلال جائحة فيروس كورونا. وبالاعتماد على التبرعات الغذائية والنقدية، تقدم مجموعته نحو 1.65 مليون وجبة مجانية كل أسبوع، مقارنة بـ1.25 مليون وجبة قبل كوفيد- 19، التي تذهب بشكل أساسي لأفراد الأسر العاملة.
قال، "على مدى الأشهر الخمسة أو الستة الماضية، ومع ارتفاع التضخم، بدأنا نرى مزيدا من الأشخاص يستفيدون من خدماتنا. إننا نرى بصورة منتظمة أشخاصا يعملون بوظيفتين أو ثلاث وظائف".
تتسبب الطوابير التي تصطف من أجل الطعام المجاني في أماكن مثل فلوريدا بتعقيد الجدل الدائر حول الاتجاه الذي يسير إليه الاقتصاد الأمريكي مع رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة على أمل السيطرة على التضخم دون دفع البلاد إلى الركود.
في الأيام الأخيرة، نمت الآمال في هبوط أكثر سلاسة، حيث أشارت تقارير أرباح المصارف في الربع الثاني وكذلك إصدارات البيانات الحكومية إلى أن المستهلكين الأمريكيين ينحنون لكنهم لا ينكسرون تحت وطأة ارتفاع معدلات الفائدة وارتفاع أسعار المواد الغذائية والبنزين والسكن.
مبيعات التجزئة قفزت نسبة مئوية في حزيران (يونيو)، بينما وجدت دراسة أجرتها جامعة ميتشيجان أن توقعات التضخم للأسر في الخمسة أعوام المقبلة قد انخفضت إلى 2.8 في المائة بعد قراءة سابقة بلغت 3.1 في المائة.
لكن التعامل مع مؤشرات المرونة يتم بحذر، حتى في وول ستريت، وهو ما يعكس الضغط الواضح على الأمريكيين ذوي الدخل المنخفض والتوقعات بأن ارتفاع الأسعار سيؤدي في النهاية إلى القضاء على الموارد المالية للأعداد المتزايدة من المستهلكين.
لكن أحد المؤشرات على الخطر هو أن الأمريكيين يقومون بادخار مبالغ من مكاسبهم أقل مما كانوا يدخرون في الأعوام الأخيرة. انخفض معدل الادخار الشخصي إلى أقل من 6 في المائة هذا العام للمرة الأولى منذ 2013، وفقا لوزارة التجارة.
استعدت المصارف الكبرى، مثل جيه بي مورجان وسيتي جروب وويلز فارجو، لحدوث اضطرابات وذلك من خلال زيادة احتياطياتها لمواجهة خسائر القروض مجتمعة بأكثر من مليار دولار في الربع الأخير. في إشارة إلى تجلي هذه الضائقة، زادت حالات التأخر عن السداد لمدة 30 و60 يوما التي تضمنت أقل المقترضين تصنيفا في الأوراق المالية المدعومة برهن السيارات إلى مستويات أعلى من بداية الجائحة، وفقا لأبحاث مورجان ستانلي.
بيل ديمشاك، الرئيس التنفيذي لشركة بي إن سي، وهي شركة أمريكية للإقراض مع أصول تبلغ 544 مليار دولار، أخبر محللي الاستثمار أنه يعتقد أن "المشكلات المقبلة ستأتي في وقت ما منتصف العام المقبل، وليس خلال الأشهر الستة المقبلة".
قال، "سيتعين على الاحتياطي الفيدرالي إبطاء الاقتصاد إلى وتيرة معينة من أجل السيطرة على التضخم وأعتقد أنه سيكون من الصعب فعل ذلك أكثر مما تفترضه السوق حاليا وأعتقد أنه سيستغرق وقتا أطول مما تتوقعه السوق حاليا. عندما يحدث ذلك، سنشهد ارتفاع تكاليف الائتمان، على الأقل عودتها إلى مستويات يمكن أن نسميها طبيعية".
وجدت أحدث نسخة من تقرير بيج بوك الصادر عن الاحتياطي الفيدرالي، الذي نشر الأسبوع الماضي، أن الطلب من المستهلكين بدأ التراجع مع استنزاف ارتفاع أسعار المواد الغذائية والبنزين الدخل التقديري. تدهورت الحالة المزاجية في المناطق المحيطة ببوسطن وفيلادلفيا وشيكاغو، مع تصاعد المخاوف من حدوث تباطؤ وشيك. بدأ النشاط التجاري الانحسار في المناطق القريبة من كليفلاند وريتشموند وفيرجينيا ودالاس.
انخفض الإنفاق على الغذاء بعد تعديله لاحتساب التضخم، 5.5 في المائة في الفترة بين كانون الثاني (يناير) وأيار (مايو)، وهو أكبر انخفاض يستمر لمدة أربعة أشهر منذ 1973، وفقا لتحليل بيانات مكتب التحليل الاقتصادي التي قام بها الاقتصادي عمير شريف، مؤسس ورئيس شركة إنفلايشن إنسايتس في باسادينا في ولاية كاليفورنيا.
قال شريف، "حالات الانخفاض منتشرة على نطاق واسع، حيث بات المستهلكون يشترون كميات أقل من كل شيء تقريبا. لم يكن تغييرا مختلطا في الفئات. وهذا ما عده مثيرا للدهشة".
قال ريك كارديناس، الرئيس التنفيذي لسلسلة مطاعم داردن، الشهر الماضي، إن مرتادي المطعم "من ذوي المستوى المنخفض" في تشيدارز سكراتش كيتشن، حيث يبلغ متوسط الفاتورة فيه 15 دولارا للشخص الواحد، أصبحوا يأتون بشكل أقل وكانت تظهر عليهم علامات على "إدارة المصروفات" - وذلك عن طريق تغيير طلباتهم لإبقاء الفاتورة منخفضة.
كما لاحظت متاجر التجزئة التي تقدم خصومات، مثل أوليز بارجين آوتليت، الضغط الذي يعانيه المستهلكون الأساسيون ذوو الدخل المنخفض. "هذا المستهلك يقع بالفعل تحت ضغط شديد جدا لدرجة أنهم يقومون بالمقايضة أو تقليل عدد زياراتهم بشكل كبير، وهم يبحثون عن الضروريات في هذه المرحلة"، كما قال جون سويغيرت، الرئيس التنفيذي، للمحللين الشهر الماضي متنبئا أن الدور سيأتي على المتسوقين من "ذوي الدخل المتوسط" للشعور بمزيد من التوتر حيث سيستنزف ارتفاع أسعار البنزين والبقالة مدخراتهم.
على النقيض من ذلك، الطلب ما زال قويا على السلع والخدمات التي تستهدف الأمريكيين الميسورين. أشاد المسؤولون التنفيذيون من شركات مثل "بربري" و"كروغر" بالرغبة المستمرة في شراء سلع أكثر تكلفة كالحقائب الجلدية وجبنة موراي ذات السعر المرتفع. بعد أن رفعت شركة بيبسي كولا أسعارها 12 في المائة في آخر ربع من العام الجاري لتغطية تكاليفها المتزايدة، قال المدير المالي هيو جونستون لصحيفة "فاينانشال تايمز"، إنه حتى الآن "لم تبدر عن المستهلك ردة فعل مهمة (...) فما زالت أحجام مبيعاتنا مرتفعة".
يستمد صناع السياسة في الاحتياطي الفيدرالي - ومصرفيو وول ستريت - ثقتهم من حالة سوق العمل. تحدت وتيرة إيجاد الوظائف التوقعات - حيث تم إيجاد 372 ألف وظيفة في حزيران (يونيو)، ما ساعد على إبقاء معدل البطالة ثابتا عند 3.6 في المائة.
في إصدارات الأرباح الأخيرة، أفاد كل من "جيه بي مورجان" و"بانك أوف أميركا"، وهما أكبر مصرفين أمريكيين من حيث الأصول، أن المستهلكين الذين يستخدمون بطاقات الائتمان والخصم زادوا إنفاقهم 15 في المائة و10 في المائة على التوالي خلال الربع الثاني.
قال جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لمصرف جيه بي مورجان، إن المستهلك "في حالة جيدة. حتى لو دخلنا في ركود، فسيدخلونه بمديونية أقل، وفي وضع أفضل بكثير من (...) 2008 و2009، وفي حالة أفضل بكثير من 2020. أما الوظائف فهي متوافرة الآن بكثرة".
الاستثناءات من هذه القاعدة هو من يطلبون المساعدة من مجموعات مثل فيدينج تامبا باي. قال مانتز إن كثيرا من المستفيدين يأتون من عائلات تتقاضى أجورا منخفضة ليس لها وصول إلى الحسابات المصرفية أو بطاقات الائتمان أو غيرها من المنتجات المالية التي يمكن أن تساعد المستهلكين على مواجهة الأزمات.
هناك الملايين من هؤلاء الناس في الولايات المتحدة. في تقرير صدر العام الماضي، قدرت المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع أنه كان هناك 7.1 مليون أسرة "لا تتعامل مع المصارف" في بداية الجائحة، أي نحو 5.4 في المائة من الإجمالي، وتوقعت المؤسسة أن هذا الرقم قد زاد على الأرجح. كما أن نسب العائلات التي ليس لديها حسابات ومعاملات مصرفية هي الأعلى في مجتمعات الأقليات - 13.8 في المائة في الأسر الأمريكية الإفريقية و12.2 في المائة في الأسر اللاتينية.
قال مانتز إن كثيرا من الأشخاص الذين يراهم استنفدوا مواردهم المالية خلال الجائحة وأنهم "لا يملكون أي شيء يمكنهم الاستناد عليه". سواء أكانت الولايات المتحدة تتجه نحو الركود أم لا، فإن مانتز يشك في أن معاناة هؤلاء الأشخاص من غير المرجح أن تنتهي قريبا.
أضاف، " رأينا على مر الأعوام أن الأشخاص الذين نخدمهم هم آخر من يتعافى. عادة ما يتأثرون بسرعة بسبب ارتفاع الأسعار أو قلة توافر المنتجات، لكن الأمر يستغرق أيضا وقتا أطول للتعافي لأنهم لا يمتلكون الموارد التي قد تكون متوافرة لدي أو لديك".