بندول أشباه الموصلات يتأرجح ببطء نحو الغرب

بندول أشباه الموصلات يتأرجح ببطء نحو الغرب
بات جيلسنجر، الرئيس التنفيذي لشركة إنتل.

في العقود الأخيرة عمل المستثمرون على أساس أن توازن القوى العالمي يتشكل من خلال مصدر النفط - أو "الجائزة"، على حد تعبير الكاتب دانيال يرجين.
الآن، هناك شعار جديد يتسلل: رقائق الكمبيوتر هي نسخة القرن الـ21 من النفط. أو تلك، على الأقل، هي الرسالة التي يروج لها بات جيلسنجر، الرئيس التنفيذي لشركة إنتل، أكبر شركة لصناعة الرقائق في أمريكا.
قال جيلسنجر في مؤتمر أسبن، الذي عقد أخيرا: "حدد موقع النفط المسائل الجيوسياسية في العقود الخمسة الماضية. لكن مصانع الرقائق ستشكل العقود الخمسة التالية"، معربا عن أسفه لكون أمريكا هي التي أنشأت في البداية صناعة أشباه الموصلات، لكن 80 في المائة من الإنتاج موجود حاليا في آسيا. أو كما ردد روب بورتمان، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية أوهايو في الحدث نفسه: "قبل 30 عاما تم تصنيع 37 في المائة من أشباه الموصلات في العالم في الولايات المتحدة (...) اليوم يتم تصنيع 12 في المائة ويسير الأمر في الاتجاه الخطأ".
هل هذا مجرد مرافعة خاصة؟ بالتأكيد جزئيا. لقد خسرت "إنتل" قوتها أمام منافسيها الآسيويين في الأعوام الأخيرة، وكانت تضغط بشدة على الكونجرس لتوفير 52 مليار دولار من التمويل لدعم مشروع قانون تم تمريره العام الماضي لتعزيز إنتاج الرقائق الأمريكية.
آتت جهود الضغط ثمارها هذا الأسبوع: وافقت لجنة رئيسة في مجلس الشيوخ أخيرا على تمويل خطة الـ52 مليار دولار، وسيوقع الرئيس جو بايدن على ذلك "قبل عطلة آب (أغسطس)"، حسبما يقول مارك وورنر، السناتور الديمقراطي الذي يرأس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ.
هذا لا يزال مجرد مشروع قانون "بالحد الأدنى"، كما يقول وورنر، مشيرا إلى أنه يغفل أجزاء من مشروع القانون الأصلي. لكن سواء كان ذلك بالحد الأدنى أم لا، فإن الدولارات ستتدفق. إنتل، مثلا، على وشك بناء مصنعين بتكلفة تبلغ عشرة مليارات دولار في منطقة بورتمان ـ ولاية أوهايو ـ وتتوقع الحصول على ثلاثة مليارات دولار دعما لكل منهما، ولهذا السبب يروج جيلسنجر- وبورتمان - أن الرقائق هي النفط الجديد.
لكن بغض النظر عن المصلحة الذاتية الواضحة، فإن الحقيقة هي أن هذه العقيدة الجديدة ترتكز على شيء من الواقع. يرجع ذلك جزئيا إلى أن الرقائق تلعب دورا مهما بشكل متزايد في المعدات العسكرية. إحدى المشكلات التي أعاقت قدرة روسيا على تجديد معداتها في ساحة المعركة في الأشهر الأخيرة، مثلا، هي أنها انقطعت عن سلاسل توريد الرقائق بسبب العقوبات الغربية. علاوة على ذلك، تعمل الرقائق - مثل النفط - على تشكيل اتجاهات التضخم بشكل متزايد: في العقود الأخيرة كان التضخم الغربي مدعوما بانخفاض تكلفة الرقائق المنتجة في آسيا والتصنيع الرخيص. لكن الآن تراجعت هذه الديناميكية بسبب اضطرابات سلسلة التوريد.
ولأن كل قطاع صناعي حديث تقريبا يحتاج إلى إمدادات موثوقة من الرقائق، فإن اضطرابات سلسلة التوريد في 2021 وحدها أدت إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي بمقدار 240 مليار دولار في العام الماضي، كما يقول بورتمان.
بحسب جون كورنين، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية تكساس، إذا فقدت أمريكا الوصول إلى إمدادات أشباه الموصلات المتقدمة في المستقبل "يمكن أن يتقلص الناتج المحلي الإجمالي 3.2 في المائة ويمكن أن نخسر 2.4 مليون وظيفة" في عام واحد. يضيف: "على مدى ثلاثة أعوام يمكن خسارة أكثر من تريليوني دولار من إجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة، مع فقدان أكثر من خمسة ملايين شخص لوظائفهم".
من هنا جاء القلق المتزايد في الكونجرس – ولدى النخبة الأمريكية - بشأن حقيقة أن معظم إنتاج الرقائق المتقدمة يقع حاليا في تايوان التي تعدها الصين جزءا منها.
يشعر وورنر بالإحباط أيضا من كون أوروبا متقدمة بالفعل في دعم إنتاج الرقائق، وأنها تستفيد بشكل أساسي من مشروع القانون الذي اعتمدته الولايات المتحدة العام الماضي "لكنها لم تموله". إنتل، مثلا، تلقت بالفعل تعهدات بـ6.8 مليار يورو في شكل إعانات من ألمانيا. يقول وورنر: "عندما تتحرك بروكسل وألمانيا وفرنسا بشكل أسرع من الأمريكيين، نعلم أن لدينا مشكلات". أو كما يضيف جيلسنجر: "هذا الاتحاد الاشتراكي المعقد المكون من 27 عضوا (...) يتقدم الآن على الولايات المتحدة بستة أشهر".
فهل يصبح التمويل المتأخر لـ"قانون الرقائق" المكافئ الحاسوبي لصناعة النفط الصخري في أمريكا - أي محفز لمزيد من الاكتفاء الذاتي؟
ليس بسرعة أو بسهولة. يستغرق الأمر عامين على الأقل لبدء إنشاء مصنع للرقائق. تفتقر أمريكا إلى قاعدة الكفاءات والبنية التحتية التي مكنت تايوان من الهيمنة. نتيجة لذلك، يقول موريس تشانج، مؤسس "تي إس إم سي" المهيمنة في تايوان، إن الإنتاج في مصانع "تي إس إم سي" في الولايات المتحدة يكلف 50 في المائة أكثر من تايوان.
في حين أن 52 مليار دولار تبدو رقما كبيرا، تشير التقديرات إلى أن الصين تقدم ثلاثة أضعاف ذلك - أو أكثر - دعما لقطاعها الخاص. ويحد "قانون الرقائق" الإعانات بمبلغ ثلاثة مليارات دولار لكل مصنع "المصنع يكلف عادة نحو عشرة مليارات دولار"، لكن الدول الأخرى تقدم ما يصل إلى 50 في المائة من المساعدة، كما يقول جيلسنجر. هذا يترك وورنر قلقا بشأن "السباق نحو الحضيض بشأن دعم الرقائق" بين أوروبا وأمريكا - أو آسيا.
مع ذلك، حتى لو كان من الصعب تغيير نمط سلسلة التوريد، فلا ينبغي لأحد أن يشك في أن البندول يتأرجح. يروج جيلسنجر الآن لهدف يتمثل في أن تنتج أمريكا نحو 30 في المائة من جميع الرقائق في المستقبل وأوروبا نحو 20 في المائة، مقارنة، كما يقول، بالمستويات الحالية البالغة 12 و8 في المائة، على التوالي. بموجب هذه الرؤية، التي يدعمها أعضاء مجلس الشيوخ الرئيسين، ستمثل آسيا 50 في المائة فقط من إجمالي إنتاج الرقائق.
قد لا يكون هذا الإصلاح الجريء قابلا للتحقيق، أو ليس في أي وقت قريب. لكن الرسالة الموجهة للمستثمرين واضحة: حروب الرقائق الجيوسياسية يمكن أن تصبح قريبا أكثر إثارة للاهتمام.

الأكثر قراءة