رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التضخم .. ماذا نفعل وما ينبغي أن نتجنب؟ «1 من 3»

خلال العقود التي تلت صدمات أسعار النفط في سبعينيات القرن الـ 20، التي دفعت معدلات التضخم إلى عنان السماء وقيدت النمو الاقتصادي، تسنى الحفاظ على استقرار الأسعار حتى عندما كان النمو قويا. انحنى عديد من صناع السياسات وأهل الاقتصاد احتراما، زاعمين بفخر أنهم وجدوا الصيغة السحرية. كان ما يسمى "الاعتدال العظيم" مدعوما من جانب البنوك المركزية المستقلة، التي كان بوسعها تثبيت توقعات التضخم من خلال الالتزام بدرجة يمكن التعويل عليها برفع أسعار الفائدة كلما أطل التضخم بوجهه القبيح ـ أو حتى العمل استباقا عند الضرورة. كانت الاستقلالية تعني أن البنوك المركزية لا تحتاج إلى القلق ـ وهي لا تقلق عادة ـ بشأن موازنة التكاليف "خسارة الناتج والوظائف في عموم الأمر" مقابل أي منافع مفترضة.
لكن هذه الحكمة التقليدية كانت موضع تحد دائما. الواقع أن زيادات أسعار الفائدة تحقق النتيجة المرجوة منها من خلال تقليص الطلب، وهي لهذا لا "تحل" مشكلة التضخم الناتج عن صدمات العرض ـ مثل الارتفاع الحاد في أسعار النفط، كما حدث في سبعينيات القرن الـ 20 ومرة أخرى اليوم، أو تلك الأشكال من معوقات سلاسل التوريد التي شوهدت أثناء جائحة مرض فيروس كورونا 2019 وفي أعقاب الحرب الروسية - الأوكرانية.
لن تؤدي أسعار الفائدة الأعلى إلى مزيد من السيارات، أو النفط، أو الحبوب، أو الأسمدة، أو حليب الأطفال، بل على العكس من ذلك، فمن خلال جعل الاستثمار أكثر تكلفة، قد تتسبب حتى في إعاقة الاستجابة الفاعلة لمشكلات جانب العرض.
تحمل تجربة السبعينيات لنا بعض الدروس المهمة في اللحظة الحالية. يتلخص أحد هذه الدروس في أن الزيادات الكبيرة في أسعار الفائدة قد تكون مخربة للغاية. لنتأمل هنا أزمة الديون في أمريكا اللاتينية في ثمانينيات القرن الـ 20، التي خلفت تأثيرات دامت نحو عقدين من الزمن. يتمثل درس آخر في أن "الهبوط الناعم"، الذي تقوده البنوك المركزية، يصعب تنظيمه وتنسيقه بشكل خاص.
اليوم، يدور قسم كبير من المناقشات حول توزيع اللوم عن الزيادة في التضخم.
يتجادل الخبراء حول ما إذا كان من الواجب على بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أن يتحرك بسرعة أكبر في مستهل الأمر، وما إذا كان من الواجب على الحكومة أن تقلل من الإنفاق في الاستجابة لجائحة كوفيد - 19، لكن مثل هذه التساؤلات ليست في محلها. فنظرا إلى حجم ارتباكات العرض الأخيرة الناجمة عن الإغلاق الصارم في الصين، ونقص أشباه الموصلات، ومشكلات إنتاج حليب الأطفال ومنتجات النظافة الشخصية، والتأثيرات التي خلفتها الحرب في الإمدادات من الحبوب، والزيوت، والأسمدة، كان التضخم حتميا.
علاوة على ذلك، يشير النمو الحاد الذي سجلته أرباح الشركات إلى أن تركز السوق على نحو متزايد قد يكون عاملا مهما في التضخم الحالي. على الرغم من أن الأسباب المحددة وراء ارتفاع أرباح الشركات ليست واضحة تماما، فلا خلاف على أنها ارتفعت حقا أثناء الجائحة. وعندما تنشأ قيود جدية على العرض في الأسواق، كما كانت الحال في عديد من القطاعات على مدار العامين الأخيرين، تكون الشركات التي تتمتع بقوة سوقية كبيرة في وضع أفضل للاستفادة من هذه الحال.
من السهل على من لا يشغلون مناصب قيادية أن يلقوا باللائمة على شاغلي المناصب ـ هذه هي طبيعة السياسة. لكن الرئيس جو بايدن والديمقراطيين في الكونجرس ليسوا مسؤولين عن التضخم في الولايات المتحدة إلا بقدر مسؤولية رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين عنه في الاتحاد الأوروبي أو رئيس الوزراء بوريس جونسون في المملكة المتحدة. هل يعتقد أي شخص خارج طائفة أتباع دونالد ترمب حقا أن الولايات المتحدة كانت لتنجو من تضخم اليوم لو أعيد انتخاب ترمب؟... يتبع.
خاص بـ "الاقتصادية"
بروجيكت سنديكيت، 2022.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي