بعد انتهاء عصر الأموال الرخيصة .. كيف تستجيب أسواق سندات الشركات؟

بعد انتهاء عصر الأموال الرخيصة .. كيف تستجيب أسواق سندات الشركات؟

في الأشهر الأخيرة، فشلت عشرات صفقات سندات الشركات في الانطلاق حيث تسببت نهاية حوافز البنوك المركزية في حرمان الشركات من الأموال الرخيصة.
من النادر عموما أن تتراجع الشركات عن صفقات السندات عندما يحاول المصرفيون فعلا بيع الديون للمستثمرين. لكن في حزيران (يونيو)، تضاعفت حالات الانسحاب أو التأجيل في أوروبا، ومنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا أكثر من ثلاث مرات مقارنة بأيار (مايو)، وفقا لبيانات من "بلومبيرج".
سجلات عمليات الإلغاء ضئيلة، لكن "على الأرجح زاد عدد المعاملات المسحوبة من السوق في الأشهر الثلاثة الأخيرة عن الأعوام الثلاثة الأخيرة"، وفقا لمارك ليناج، الرئيس المشارك لأسواق الديون لأوروبا في مصرف بي إن بي باريبا.
الآن، بعد أن أصبحت أسعار الفائدة الأساسية مهيأة للارتفاع وأثبت التضخم الذي تغذيه أوكرانيا ثباته، يطالب مديرو الصناديق بعوائد أكبر بكثير مقابل استثماراتهم. لكن الشركات ترفض السعر الأعلى هذا بعد أعوام من السخاء، ولا سيما مع احتمال حدوث ركود في المستقبل. يقول المصرفيون في النهاية إنه يتوجب على الشركات أن تتعود على التعايش مع الديون باهظة الثمن.
قال أحد المصرفيين، "كان الأمر أشبه بلعبة طفولية، ستعلن صفقة، وسيدخل البنك المركزي الأوروبي مع طلب ضخم وسيتكدس الجميع".
"الآن، الأمر أكثر صعوبة. السوق تتصارع بالفعل مع التضخم وأسعار الفائدة. ثم هناك الأزمة الأوكرانية، ورغبة بنك إنجلترا في بيع محفظته من سندات الشركات، وانتهاء برنامج شراء أصول البنك المركزي الأوروبي. إنه أسوأ وقت ممكن لحدوث كل هذه الأشياء معا".
أبقت البنوك المركزية أسعار الفائدة في مستويات قريبة من، أو في حالة البنك المركزي الأوروبي، دون الصفر منذ الأزمة المالية 2008، مع الدعم الذي زاد عندما ضربت جائحة فيروس كورونا. من خلال برامجه لشراء الأصول، امتلك البنك المركزي الأوروبي 345 مليار يورو من ديون الشركات في نهاية حزيران (يونيو)، ارتفاعا من 195 مليار يورو في الأيام الأولى للجائحة، حيث كان في الغالب يشتري الديون فيما يسمى في السوق الأولية عند إصدارها لأول مرة.
استغلت الشركات هذه الفرصة لإصدار ديون رخيصة، مع وصول 1.2 تريليون دولار إلى السوق الأوروبية في 2021، وفقا لبيانات شركة رفينيتيف.
لكن الآن، أخذ البنك المركزي الأوروبي يتراجع، ويعيد استثمار الأصول المستحقة لكنه لا يشتري ديونا جديدة. إذا تدخل عدد كاف من مستثمري القطاع الخاص لشراء السندات بأي حال من الأحوال، وتم إغراؤهم بمدفوعات الفائدة المرتفعة أو بموثوقية جهة الإصدار، فإن عدم وجود دعم من البنك المركزي الأوروبي لا يهم. لكن في ظروف السوق الصعبة، أو بالنسبة إلى المقترضين الأكثر ترددا، قدم البنك المركزي الأوروبي دعما أساسيا.
قال ويل ويفر، رئيس أسواق رأسمال الديون في أوروبا في "بنك سيتي"، "البنك المركزي الأوروبي هو الفارق بين النجاح والفشل" عندما تجمع قضية ما دعما كافيا من المستثمرين. "في سوق مذهلة" قد يضيف انسحاب البنك المركزي الأوروبي جزءا صغيرا جدا من تكلفة اقتراض الشركة. لكن "في سوق مثل هذه، قد تكون نصف نقطة مئوية، أو ربما لا تتم الصفقة".
اعتادت الشركات في أوروبا على استغلال التكاليف المنخفضة للاقتراض بشكل انتهازي، أو اقتناص الأموال لأغراض عامة أو لتسريع عمليات شراء أدوات جديدة. في ظروف السوق الجيدة، في الأغلب ما تكون المصارف قادرة على خفض تكاليف الاقتراض عبر عملية تستمر من يوم إلى ثلاثة أيام من جمع الطلبات من المستثمرين.
ليس بعد الآن. تراجع يوهانس لومان، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة موتاريس الألمانية القابضة، عن إصدار سندات بقيمة 175 مليون يورو في حزيران (يونيو) بعد أن فشل في جذب المستثمرين بوعود مدفوعات فائدة منتظمة 7.5 في المائة.
يقول، "بصراحة، كانت إحدى أصعب الارتفاعات التي قمت بها على الإطلاق. إنك تواجه المستثمرين الذين يصدقون عرضك بالفعل (...) لكنهم يقولون إنهم لن يستثمروا على الإطلاق في الوقت الحالي أو أن هناك فرصا أفضل في مكان آخر".
انسحبت شركة يوروب كار الفرنسية لتأجير السيارات أيضا من صفقة سندات في التاسع من أيار (مايو)، حيث ألغت خططا لجمع الديون لدعم أسطولها من المركبات.
كان المسؤولون التنفيذيون في الشركة يقومون بعمليات المراجعة مع المصرفيين بشأن الصفقة بقيمة 150 مليون يورو مرتين في اليوم، لكن مع مطالبة المستثمرين بمدفوعات فائدة أعلى من أي وقت مضى، ألغى مديرو الشركة الصفقة، وفقا لشخص مطلع على الصفقة. قال هذا الشخص إن مطالب المستثمرين كانت ببساطة تتجاوز قدرة شركة يوروب كار، ولا سيما أن الشركة "لم تكن حقا بحاجة" للوصول إلى السوق.
انخفضت قيمة سندات الشركات الجديدة التي وصلت إلى السوق العالمية 17 في المائة في النصف الأول من العام مقارنة بـ2021، وفقا لبيانات شركة رفينيتيف. انخفض ما يسمى بالإصدارات ذات العوائد العالية التي تنطوي على المخاطر 78 في المائة، لتصل إلى أدنى مستوى لها في النصف الأول منذ 2009.
هذا التباطؤ بمنزلة أخبار سيئة للمصارف التي تتعامل مع جمع الأموال. في الصفقات ذات العائد المرتفع، تضمن المصارف ديون الشركات ثم تبيعها لمستثمرين متخصصين. لكن المصارف يمكن أن تتكبد خسائر في هذه الصفقات إذا طالب المستثمرون بتكاليف اقتراض أعلى من المتوقع.
قال أحد المصرفيين إن الظروف كانت "مروعة" في ديون المضاربة. أضاف، "يخسر معظم المصرفيين أموالهم في الإصدارات ذات العائد المرتفع. لا توجد سيولة". قال عدة مصرفيين إنها أصبحت "سوقا للمشترين"، ما يسمح للمستثمرين بأن يكونوا أكثر انتقائية ويجعل الحياة صعبة على المقترضين الأقل شعبية.
عمل كل من مصرف جيه بي مورجان ومصرف مورجان ستانلي أخيرا على أنهما مكتبي مراهنات على ديون بقيمة مليار جنيه استرليني تم إصدارها لتمويل استحواذ شركة المقامرة 888 على عمليات شركة ويليام هيل الأوروبية. عرضوا الدين بخصم كبير للمستثمرين، وبعائد 11.5 في المائة - أي أعلى كثيرا من معيار العائد المرتفع لليورو البالغ نحو 7 في المائة - وما زالوا يكافحون لجذب المشترين.
حتى قد لا تكون العوائد الأعلى كثيرا مقارنة بالأعوام السابقة كافية. قال ألبرتو جالو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة أندروميدا كابيتال منجمنت، التي شارك في تأسيسها هذا العام تحسبا لحدوث ضغوط في أسواق الائتمان، "ليس كل عائد يتكون من رقمين مستدام هنا. بصفتنا مستثمرين، نحتاج لفهم أي الشركات يمكنها الاستمرار مع أسعار فائدة أعلى".
التوتر واضح أيضا في السوق الثانوية، بعد إصدار الديون. تضاعف حجم تداول الديون الأوروبية عند مستويات متدنية - مع زيادة انخفاض الأسعار إلى درجة أن العوائد تزيد أكثر من عشر نقاط مئوية عن المؤشر القياسي - من نهاية أيار (مايو) إلى نهاية حزيران (يونيو).
يشعر بعض المستثمرين بالقلق من أن موجة من التخلف عن السداد في انتظارهم لكن معظم المحللين أكثر تفاؤلا، حيث يشيرون إلى أن الاندفاع نحو الإصدار في الأعوام الأخيرة من شأنه أن يبطئ الميزانيات العمومية للشركات في الوقت الحالي. وفقا لبيانات من وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، من المقرر أن تنضج أداة دين واحدة فقط يتم تداولها عند مستويات متعثرة في أوروبا في الأشهر 12 المقبلة.
مع ذلك، فإن كثيرا من إصدارات الديون الجديدة ستكلف الشركات أكثر مما اعتادت عليه. قال إد إيرمان، رئيس التمويل بالرفع المالي في أوروبا في وكالة فيتش، "تعكس الأسعار المرتفعة ظروفا طبيعية. ما كان غير طبيعي هو الفترة من 2017 إلى 2021". تشير "فيتش" إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة المرجعية والأرباح الأبطأ يعني احتمال حدوث انتعاش في تخفيض التصنيفات.
يحذر محللون في وكالة موديز للتصنيف الائتماني من أن الشركات ذات التدفق النقدي المنخفض والمبالغ العالية من الديون ذات أسعار الفائدة المتغيرة، حيث ترتفع مدفوعات الفائدة بما يتماشى مع أسعار الفائدة الأساسية، تخاطر بعدم وجود نقود كافية لخدمة أو إعادة تمويل ديونها. تشكل الديون ذات سعر الفائدة المتغير 18 في المائة من السندات ذات العائد المرتفع في أوروبا.
تتركز بعض المتاعب على مقترضين وقطاعات محددة. ثلاثة من السندات الأوروبية السبعة التي صنفتها "فيتش" على أنها متعثرة ومن المقرر أن تستحق قبل نهاية 2024 هي من "أدلير"، شركة العقارات الألمانية المتعثرة، أو الشركات التابعة لها، مثلا.
حددت "ستاندرد آند بورز جلوبال" أيضا القطاعات التي لم تتعاف بعد من الجائحة - من بينها العقارات والشركات والصناعات التي تخضع لتقدير المستهلكين - باعتبارها المجالات الأكثر عرضة لفترة من الركود التضخمي.
لكن مع وصول ثقة المستهلك إلى مستويات متدنية قياسية في المملكة المتحدة وشق طريقها إلى أعماق جديدة في منطقة اليورو والولايات المتحدة، فإن التوقعات المستقبلية عبر أسواق الائتمان آخذه في التراجع. قالت سونيتا كارا، الرئيسة العالمية المشاركة للعائد المرتفع في شركة أفيفا إنفستورز، "هناك القليل جدا مما هو محصن ضد نقاط ضعف المستهلكين على نطاق واسع".
قال عدد من المصرفيين إن بعض الشركات كانت تبحث عن حلول جديدة - مثل القروض المصرفية - بدلا من السندات لجمع الديون. قال جاي ستير، رئيس أبحاث الدخل الثابت في مصرف سوسيتيه جنرال، إن الشركات ستظل بحاجة إلى الاقتراض من أجل الاستثمار، حيث يتطلب التحول الأخضر إنفاقا متوسط إلى طويل الأجل.
بالنسبة إلى المصدرين، فإن نهاية الأموال الرخيصة تعني أن مخاوف خسارة الظروف المالية الجيدة في 2021 أفسحت المجال للخوف من ارتكاب الأخطاء في سوق متقلبة.
قال أحد المصرفيين، "لا ترغب الشركات في المخاطرة. إذا كنت مديرا ماليا أو أمين صندوق وحصلت على موافقة مجلس الإدارة لكن بعد ذلك تراجعت عن إصدار السند، فلن يبدو ذلك جيدا لك أو للشركة".

الأكثر قراءة