الاضطرابات السياسية الإيطالية تختبر عزيمة المركزي الأوروبي

الاضطرابات السياسية الإيطالية تختبر عزيمة المركزي الأوروبي

كشف عدم الاستقرار السياسي الذي يهدد بتقصير فترة ماريو دراجي في منصب رئاسة الوزراء التحديات التي تواجه زملاءه السابقين في البنك المركزي الأوروبي وهم يستعدون للكشف عن تغيرات تاريخية في السياسة هذا الأسبوع.
من المتوقع أن تعلن كريستين لاجارد التي حلت محل دراجي في رئاسة البنك المركزي الأوروبي في 2019 يوم الخميس عن أول زيادة في سعر الفائدة منذ أكثر من عقد بينما تحدد أيضا مخططا جديدا تأمل أن يمنع ارتفاع تكاليف الاقتراض من إثارة أزمة ديون أخرى في منطقة اليورو. بحلول الوقت الذي يحدث فيه ذلك، قد يصبح الوضع السياسي في روما أكثر تقلبا.
ارتفعت عوائد السندات الإيطالية ارتفاعا حادا الأسبوع الماضي بعد أن رفضت حركة خمس نجوم التي تشكل جزءا من حكومة الوحدة الوطنية بزعامة دراجي دعمه في تصويت على الثقة، ما دفع رئيس الوزراء إلى تقديم استقالته. رغم أن الرئيس رفضها فإن الإيطاليين ينتظرون الآن لمعرفة ما إذا كان دراجي على استعداد للبقاء في منصبه، أو ما إذا كانت البلاد ستجري انتخابات مبكرة. من المرجح أن تؤدي أي إشارة على تنحي رئيس الوزراء إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض في روما.
مخطط المركزي الأوروبي الذي أطلق عليه "آلية حماية الانتقال" من المتوقع أن يتم استخدامه لمواجهة ما يعده زيادات غير مبررة في تكاليف تمويل الدولة التي تسمى التجزئة من خلال شراء سنداتها. أخبرت لاجارد المشرعين في الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي أن البنك المركزي الأوروبي لن يسمح بحدوث "خطر التجزئة" و"إعاقة" الانتقال السلس لقراراته المتعلقة بالسياسة. "عليكم إنهاء الأمر قبل أن يبدأ"، كما قالت.
لكن يحذر اقتصاديون من أن الاضطراب في إيطاليا يسلط الضوء على مدى صعوبة فصل المركزي الأوروبي لتأثير الافتراضات غير المبررة عن التحركات المبررة في العوائد بناء على توقعات اقتصادية قاتمة.
قال سبايروس أندريوبولوس كبير الاقتصاديين الأوروبيين في المصرف الفرنسي بي إن بي باريبا والموظف السابق في المركزي الأوروبي: "هذا يصعب الأمور على البنك المركزي الأوروبي. في بعض الدول يمكن إدراك أن المركزي الأوروبي يتدخل لتدارك أجزاء من إخفاقات السياسيين".
قوبلت خطة المركزي الأوروبي لمعالجة التجزئة غير المبررة في أسواق السندات في منطقة اليورو ببرود من المسؤولين في دول الشمال المقتصدة أكثر مثل ألمانيا والنمسا وهولندا.
إنهم قلقون من أن المركزي الأوروبي يبالغ في رد فعله بينما تتكيف أسواق السندات مع احتمالية ارتفاع أسعار الفائدة. في محاولة لإبقاء تكاليف الاقتراض منخفضة للدول المثقلة بالديون، فإنهم يخشون أن يشجع البنك المركزي التراخي المالي وينحرف إلى "التمويل النقدي" للحكومات، وهو ما يتعارض مع معاهدة الاتحاد الأوروبي.
حذر لارس فيلد أستاذ الاقتصاد في جامعة ألبرت لودفيج في فرايبورج، الذي يقدم المشورة لوزير المالية الألماني: "إذا تجاوز المخطط الخط الفاصل بين السياسة النقدية والسياسة المالية فسيكون ضارا سياسيا في شمال أوروبا".
ارتفع الفارق بين عوائد السندات الإيطالية لأجل عشرة أعوام وعوائد ألمانيا الأسبوع الماضي إلى أكثر من 2.22 نقطة مئوية، وهو أعلى مستوى منذ شهر.
يشعر المستثمرون بالقلق من أن الانتخابات الإيطالية المبكرة قد تؤدي إلى حكومة بقيادة حزب أخوة إيطاليا بزعامة جيورجيا ميلوني، وهو حزب خارج تحالف دراجي وله جذور في سياسات ما بعد الفاشية ويتصدر استطلاعات الرأي.
قال إريك نيلسن، كبير المستشارين الاقتصاديين في مصرف يوني كريديت الإيطالي: "ماذا لو حقق المرشحون اليمينيون أداء جيدا وحدثت عمليات بيع كثيفة في سوق السندات هل ينبغي للبنك المركزي الأوروبي أن يتدخل حينها؟"
يعتقد كثير من الاقتصاديين أن هذا هو نوع التجزئة الذي يجب على المركزي الأوروبي ألا يحاول محاربته.
كتب فرانشيسكو باباديا، زميل أقدم في مؤسسة بروجيل الفكرية في بروكسل والرئيس السابق لعمليات السوق في المركزي الأوروبي، على "تويتر": "لا يستطيع البنك المركزي الأوروبي فعل أي شيء للدول التي تضر نفسها".
من جانبها، اتفقت سيلفيا أرداجنا، كبيرة الاقتصاديين الأوروبيين في باركليز، مع ذلك قائلة: "لن تستفيد إيطاليا من تفعيل هذه الأداة إذا زاد عدم اليقين السياسي واستقال دراجي وأجريت انتخابات مبكرة".
لكنها أضافت أن مخطط المركزي الأوروبي الجديد "سيكون أكثر أهمية لمنع انتقال التداعيات من إيطاليا إلى الأسواق السيادية الأخرى بينما يرفع البنك أسعار الفائدة".
لا تزال تكاليف الاقتراض في إيطاليا والفجوة مع ألمانيا أقل بكثير من المستويات التي وصلت إليها خلال أزمة الديون في 2012، عندما وصلت عوائد السندات الإيطالية لأجل عشرة أعوام إلى مستوى قياسي بلغ أكثر من 7 في المائة، وبلغ الفارق بين إيطاليا وألمانيا ذروته عند خمس نقاط مئوية. يوم الجمعة الماضي، بلغ العائد على السندات لأجل عشرة أعوام في إيطاليا 3.26 في المائة.
قال جاك ألين رينولدز كبير الاقتصاديين الأوروبيين في مجموعة الأبحاث كابيتال إيكونوميكس، إن الاضطرابات السياسية الإيطالية الأخيرة يمكن أن تزيد انتقادات خطة البنك المركزي الأوروبي بين محددي أسعار الفائدة، "لأنه الوضع الذي لا يريدون أن يقحموا فيه".
لكن المعارضة الصريحة للأداة الجديدة غير مرجحة لأن حتى صانعي السياسة الأكثر تشددا الذين يكرهون تقليديا شراء السندات، يعرفون أن آمالهم في رفع أسعار الفائدة إلى المنطقة الإيجابية يمكن أن تحبط إذا غمرت أزمة ديون منطقة اليورو.
في وقت سابق من هذا الشهر، أوضح الألماني يواكيم ناجل رئيس البنك المركزي عدة قيود كان يتوقع فرضها على المخطط، الذي قال إنه "لا يمكن تبريره إلا في ظروف استثنائية وفي ظل ظروف محددة بدقة".
في اجتماع مجلس إدارة المركزي الأوروبي في وقت سابق من هذا الشهر، انضم ناجل إلى رؤساء البنوك المركزية الهولندية والنمساوية لاقتراح تعزيز الخطة من خلال منح صندوق الإنقاذ "آلية الاستقرار الأوروبية" دورا كمستشار بشأن ما إذا كانت الدول لديها خطط مالية مستدامة.
ستكون هذه الفكرة مثيرة للجدل في إيطاليا ودول جنوب أوروبا الأخرى حيث ينظر إلى آلية الاستقرار الأوروبية بعين الريبة بسبب الظروف التدخلية والمراقبة المفروضة على الدول التي أنقذتها خلال أزمة الديون الأخيرة، من ضمنها اليونان وإسبانيا والبرتغال.

الأكثر قراءة