العمل عن بعد .. كابوس الرؤساء التنفيذيين
في وقت سابق من هذا الصيف، أدرت حوارا على وجبة عشاء لبورصة نيويورك مع مجموعة من الرؤساء التنفيذيين في الولايات المتحدة. كنت أتوقع نقاشا جادا حول التضخم وسلاسل التوريد والحرب في أوكرانيا. لكن لم يحدث ذلك.
بعد أن طرح أحد الرؤساء التنفيذيين سؤالا عن مزايا العمل الهجين، أصبح الحوار فجأة انفعاليا بشدة. أظهر رفع الأيدي أن معظم الرؤساء التنفيذيين يكرهون سياسة العمل عن بعد. وأظهر آخر أن معظمهم كانوا يجعلون موظفيهم يحضرون إلى المكتب لمدة يومين في الأسبوع فقط على أحسن تقدير.
كانت معضلتهم واضحة. هل ينبغي إجبار الموظفين على العودة عبر تهديدهم بالطرد، كما فعل إيلون ماسك أخيرا في تسلا؟ أم حثهم بشدة على العودة، كما فعل رؤساء وول ستريت مثل ديفيد سولومون من جولدمان ساكس؟ أم اتخاذ المسار الذي اتبعه تيم كوك من أبل، الذي طالب في البداية بفرض قيود على العمل عن بعد لكنه اضطر إلى تقديم تنازلات بعد احتجاجات واسعة؟
مع احتدام النقاش، تحول هذا العشاء الاقتصادي إلى شيء أشبه بجلسة علاج جماعية لموضوع عمل الشركات. اعترف رئيس مجموعة صناعية في الغرب الأوسط بشكل يائس، "إنها أكبر قضية فردية".
في الشهر الماضي، حدث ذلك مرة أخرى، هذه المرة أثناء إدارة نقاش مع مستشار جدي من شركة أي واي. كان من المفترض أن نناقش قضايا الاقتصاد الكلي لكن بمجرد أن نطق أحدهم عبارة "العمل عن بعد"، تحول مسار النقاش.
مرة أخرى، قال المسؤولون التنفيذيون ممن هم في منتصف العمر إنهم يريدون عودة الموظفين إلى المكاتب. لكن في هذه المرة، كان هناك أيضا موظفون أصغر سنا، وكانوا بالقدر نفسه من الحماس لأنهم أرادوا العمل في الغالب من المنزل. كان الاستثناء الوحيد لهذه الفجوة بين الأجيال هو أحد الرؤساء التنفيذيين لشركة برمجيات في منتصف العمر، الذي كان موظفوه دائما يعملون عن بعد.
كانت الحجج قوية ومدفوعة بالثقافة بقدر ما هي مدفوعة بالشؤون اللوجستية والاقتصادية. قد يقول معالج عائلي إن النقاشات أظهرت أن الأجيال في الأغلب "تتحدث بشأن موضوعات مختلفة وهي تظن أنها تناقش موضوعا واحدا". قد تعني الكلمات نفسها أشياء مختلفة جدا للناس لأن افتراضاتهم تتعارض.
لنأخذ الإنتاجية على سبيل المثال. افترض الموظفون أمثالي، الذين بدأوا حياتهم المهنية في نهاية القرن الـ20، أن المكاتب "أكثر إنتاجية" من المنزل. كان مصطلح "الذهاب إلى العمل" مرادفا "للذهاب إلى المكتب" وتم تعريفه على عكس المنزل، الذي كان مرتبطا بالوقت الذي يقضيه الشخص في عدم العمل.
لكن بالنسبة إلى علماء الأنثروبولوجيا، هذا الانقسام العقلي هو حالة شاذة عند مقارنتها بمعظم الثقافات عبر التاريخ. يبدو أن القوى العاملة التي تستخدم الحاسوب المحمول اليوم تؤكد ذلك. بالنسبة لهم، قد يبدو الوجود في مكتب أقل إنتاجية حيث "ينتهي بك الأمر إلى التواصل مع الآخرين وهذا يمنعك من أداء وظيفتك"، كما قال أحد المصرفيين الشباب في مناظرة شركة أي واي.
ردا على ذلك، قال الجيل الأكبر سنا إن المحادثة ليست مضيعة للوقت على الإطلاق، بل إنها تعزز العمل الجماعي وتؤدي إلى نقاشات غير مخطط لها تحفز الإبداع، فضلا عن الاتصال الشخصي اللازم لإدارة الأشخاص. لقد قال لي ذلك الرؤساء التنفيذيون الذين كنت أقابلهم مرارا وتكرارا.
لكن الملمين بالتكنولوجيا الرقمية نشأوا وهم يديرون العلاقات الاجتماعية في الفضاء الإلكتروني بقدر ما يديرونها في العالم الحقيقي. لا يتفوق العالم الحقيقي دائما على الرقمي من وجهة نظرهم، حيث قال أحدهم إنهم يعتقدون أن "المديرين يحتاجون فقط إلى تعلم الإدارة عن بعد".
هناك نقطة توتر رئيسة ثالثة، التدريب المهني. على الرغم من أن هذا المفهوم في الأغلب ما يرتبط بعمل ذوي الياقات الزرقاء في الغرب، فإنه كان مهما أيضا للمهنيين ذوي الياقات البيضاء في القرن الـ20. عادة ما يتعلم المحامون أو المصرفيون أو المحاسبون أو الصحافيون المعتمدون اليوم حرفتهم عبر مراقبة الآخرين ومن خلال الانغماس في المكتب.
لم يكن هذا لمجرد أنهم كانوا بحاجة إلى اكتساب المهارات الفنية. كانت القضية الأساسية هي انتقال الثقافة. المكاتب كانت هي المكان الذي تعلم فيه جيل الشباب التواصل، وضبط سلوكياتهم في العمل، وإدارة وقتهم وما إلى ذلك.
بلغة الأنثروبولوجيا، المكتب عبارة عن بيئة يتم فيها نقل الإيقاعات الراسخة بعمق بشكل سلس واستنساخها من جيل إلى آخر.
يعد قادة الشركات اليوم أنه من المسلم به أن نقل الثقافة أمر مهم، ومن ثم وجود فترات تدريب صيفية. لكن لا يؤيد الجميع هذا الرأي، ولا سيما عندما يكون هناك كثير من الأمور الأخرى في حالة تغير مستمر وكثير من الجيل الأكبر سنا يكافحون من أجل فهم عالم رقمي بشكل متزايد.
قد يكون هذا صداما مؤقتا. الموضوع الآخر الذي برز من هذه المناقشات هو أن معظم المديرين التنفيذيين الأكبر سنا يفترضون دون مبالاة أنه سيكون من الأسهل عليهم وضع حد للعمل عن بعد عندما ينتهي الصيف - وإذا ما حدث ركود.
لكن قد يكون هذا الافتراض مضللا أيضا. تظهر الدراسات الاستقصائية من مجموعات مثل جالوب باستمرار أن معظم الأشخاص الذين يعملون من المنزل اليوم يتوقعون الاستمرار في ذلك، في معظم الأوقات. إنها لحظة رائعة أن تكون عالم أنثروبولوجيا في شركة وكابوسا لهؤلاء الرؤساء التنفيذيين.