نقص العمالة في قطاع البناء يقوض فاعلية خطة التعافي الأوروبية
يزدهر قطاع البناء في إيطاليا لكن أنجيليكا دوناتي، الرئيسة التنفيذية للصناعة، تشعر بالقلق بشأن آفاق القطاع حيث إنه على وشك أن يصبح أكثر انشغالا مع إطلاق صندوق الاتحاد الأوروبي للتعافي من تداعيات جائحة كورونا للاستثمار في البنية التحتية.
قالت رئيسة تطوير الأعمال في شركة دوناتي للبناء، "من الصعب حقا العثور على العمالة وأصبحت الأسعار جنونية. هناك كثير من المنافسة. الشركات تسرق الموظفين من بعضها بعضا".
مع ارتفاع نشاط البناء في جميع أنحاء جنوب أوروبا بعد عمليات التباطؤ في الجائحة، فإن إيطاليا ليست الدولة الوحيدة التي أعاقتها القوى العاملة التي تقلصت خلال الانكماش الاقتصادي في منطقة اليورو في العقد الماضي. قال خبراء الصناعة إن حالات النقص في اليونان، وإسبانيا والبرتغال، وارتفاع أسعار الأجور قد يؤدي إلى حالات تأخير في المشاريع الكبيرة أو حتى إلى حالات الإلغاء.
أضافوا أن ضغوط سوق العمالة تهدد بتقويض فاعلية صندوق التعافي الأوروبي من جائحة كوفيد بقيمة 750 مليار يورو، الذي يركز بشكل كبير على الاستثمار في البنية التحتية.
قال جيورجوس ستازينوس، رئيس الغرفة الفنية في اليونان، وهي الهيئة الاستشارية الهندسية للحكومة، "ستواجه مشاريع البنية التحتية الممولة من صندوق التعافي التابع للاتحاد الأوروبي، التي لها موعد نهائي محدد لاستكمالها، تحديات كبيرة".
قال المهندس المدني إن الأجور المرتفعة التي يطالب بها العمال، وكثير منهم في وظائف متخصصة مثل التلحيم، ستكون عبئا على كثير من المشاريع. أضاف ستازينوس، "مع زيادة تكاليف الأجور، ينبغي أيضا زيادة الميزانيات من أجل استكمال المشاريع في مواعيدها المحددة".
في إيطاليا، المستفيدة الأكبر من التمويل من خطة تعافي بروكسيل من كوفيد، قدرت جمعية أيه إن سي إيه الوطنية للبناة في نهاية 2021 أن أعضاءها بحاجة إلى 265 ألف عامل بناء آخرين فقط لاستكمال المشاريع الحالية.
زادت القوى العاملة في مجال البناء في إيطاليا 5.9 في المائة في 2021 لتصل إلى 1.65 مليون شخص، ارتفاعا من 1.56 مليون شخص في العام السابق، وفقا لوكالة إستات الإحصائية الوطنية. كان النمو قويا لكنه لم يكن كافيا لتلبية الطلب المتزايد، ما مكن العمال من تأمين أجور أعلى كثيرا. بشكل عام، نما دخل القوى العاملة في الصناعة 21 في المائة العام الماضي.
يتعارض النشاط المحموم بشكل ملحوظ مع النشاط أثناء حالة الركود الاقتصادي المطول في إيطاليا، حيث تقلصت إيرادات القطاع نحو 33 في المائة تقريبا في الفترة من 2008 إلى 2020.
أدت أزمة الديون السيادية التي دامت عقدا من الزمان إلى تراجع أكبر في اليونان. انهارت حصة البناء من إجمالي القيمة المضافة للاقتصاد إلى 1.6 في المائة في 2017 انخفاضا من 7.5 في المائة في 2006. وفقا لمصرف ألفا اليوناني، تقلصت القوى العاملة في الصناعة 57 في المائة خلال الفترة من 2009 إلى 2020.
قال كريستوس باناجيوتوبولوس، رئيس شركة أكتور، إحدى أكبر شركات البناء في اليونان، "شهدنا أزمة استمرت عقد من الزمان، كان هناك خسارة ليس فقط في صفوف المهندسين فحسب، بل أيضا في عمال البناء الأساسيين الذين بحثوا عن وظيفة في الخارج".
أضاف أن معظم الأشخاص الذين غادروا اليونان خلال الأزمة لم يعودوا حتى الآن. قال، "يحتاج الناس إلى بعض الإحساس بالأمان بأنهم سيحصلون على وظيفة خلال العقد المقبل لكي يعودوا إلى اليونان، لكنهم لا يشعرون بذلك حتى الآن".
يقول باناجيوتوبولوس إن الأجور زادت بنسبة تراوح من 20 إلى 30 في المائة منذ بداية 2021، حيث إن الطلب على العمال يفوق العرض.
عملية إعادة التطوير التجاري والسكني لمطار قديم بالقرب من أثينا، وهو أكبر مشروع تجديد في أوروبا، ستضيف مزيدا من الضغط في البحث عن العمال. قال باناجيوتوبولوس، "مطار هيلينيكون مشروع ضخم بحد ذاته". مضيفا أنه في أقل من عام سيكون النقص حرجا بالنسبة إلى بعض المقاولين.
بداية من خطوط السكك الحديدية الجديدة والطرق إلى الموانئ الخضراء والمناطق الاقتصادية الخاصة، ستؤدي موجة مشاريع البنية التحتية الممولة من الاتحاد الأوروبي إلى تكثيف الطلب على العمال.
تحذر الشركات في إسبانيا والبرتغال من أن نقص العمالة قد يعرض مشاريع البناء والتجديد الممولة من قبل الاتحاد الأوروبي للخطر التي تبلغ قيمتها مليارات اليورو. في إسبانيا، من المتوقع أن يتم توجيه أكثر من ثلثي مبلغ 140 مليار يورو الذي من المقرر أن يحصل عليه البلد على شكل منح وقروض من صناديق التعافي من فيروس كورونا في أوروبا إلى المشاريع المتعلقة بالبناء.
لكن في قطاع تقول فيه النقابات وأصحاب العمل إن هناك حاجة إلى ما يصل إلى نصف مليون عامل إضافي في إسبانيا و80 ألف عامل في البرتغال، فإن اجتذاب وتدريب الأعداد اللازمة للوفاء بالموعد النهائي في 2026 للاستفادة من صناديق التعافي من الاتحاد الأوروبي يمثل تحديا كبيرا. يعد مشغلو الرافعات، والنجارون، واللحامون ومديرو المواقع، الذين يحتاجون إلى تدريب معتمد، أصعب العمال للعثور عليهم، وفقا لشركات إسبانية.
قال مانويل ريس كامبوس، رئيس اتحاد البناء آيكوبن البرتغالي، إن الحكومة بحاجة للمضي قدما في إجراءات تحسين "التنقل عبر الحدود" داخل الاتحاد الأوروبي ومعالجة قضايا سوق العمل الأخرى.
تسارع شركات البناء في جميع أنحاء جنوب أوروبا لإدراج العمال في كشوفات الأجور الخاصة بها.
عندما انفجرت فقاعة الإسكان في إسبانيا التي دامت عقدا من الزمان في 2008، تخلصت صناعة البناء من 1.8 مليون وظيفة. تدفع الشركات أجورا أعلى وتقدم تدريبا مجانيا في المشاريع التي ترعاها الحكومة وأصحاب العمل والنقابات. لكن أصحاب العمل يقولون إن كثيرا من العمال ما زالوا يرون أن البناء يوفر مستقبلا غير آمن.
في حزيران (يونيو) الماضي، وقعت جمعية أيه إن سي إيه اتفاقية مع مؤسسة خيرية لتحديد وتدريب المهاجرين المحتملين الراغبين في القدوم للعمل في قطاع البناء في إيطاليا. يقترح ستازينوس حلا مشابها لنقص الموظفين في اليونان، يقوم على الاستعانة بطالبي اللجوء السوريين والأفغان. قال، "نحتاج إلى إنشاء برنامج تعليمي لتدريب اللاجئين على أعمال البناء وتمويل عملهم".
في حين قالت دوناتي إن إغراء الأجور المرتفعة سيساعد على ضمان "إدراج كل شخص عمل في البناء في القوى العاملة"، وتوقعت أن النقص في اليد العاملة سيظل مشكلة رئيسة إلى أن ينظر مزيد من العمال الأصغر سنا إلى البناء على أنه فرصة مهنية جذابة.
قالت دوناتي، التي تشغل أيضا منصب رئيسة جناح الشباب في جمعية أيه إن سي إيه، "لدينا قول مأثور، عندما تكون البطانية قصيرة جدا، يمكنك سحبها في اتجاه واحد، أو في الاتجاه الآخر، لكنها ما زالت لا تغطي السطح بالكامل. هذا مصدر قلق طويل الأجل".