معركة سان فرانسيسكو .. إعادة مدينة رقمية إلى الحياة الواقعية
مطعم تاديش جريل، أقدم مطعم في كاليفورنيا، عانى اضطرابات بسبب أزمة أو اثنتين، الزلازل، وعدة فترات ركود وكوفيد -19. أسس في 1849، مكانه الحالي في شارع كاليفورنيا في قلب الحي المالي في وسط المدينة، المعروف باسم "في دي". وهو نقطة البداية في صراع المدينة لإعادة الناس إلى العمل.
يقول يوري براكانوفيتش، أحد النوادل الذين يرتدون رداء أبيض، إن المطعم، مثل غيره من المطاعم المجاورة، عانى بسبب تحول حشد الموظفين في الغداء والعشاء إلى العمل من المنزل، وانهيار أعمال المؤتمرات. لقد تبخر تدفق أعضاء الوفود في الأحداث التكنولوجية بالكامل تقريبا، ويرجع ذلك جزئيا إلى تصور أن شوارع المدينة "خطيرة".
قد تشعر عند ذهابك إلى "تاديش جريل"، في أكثر أيام المطعم ازدحاما، لتناول الغداء وكأنك تشق طريقك عبر أرضية بورصة نيويورك. مع ذلك، في الإثنين هذا، يجلس أربعة من الزبائن على المقاعد الخشبية الممتدة من الباب الأمامي إلى المطبخ. يشير براكانوفيتش إلى أن "كثيرا من المكاتب لا تزال مغلقة".
يشير تحليل أجرته "كاسل سيستم"، وهي شركة لأمن المكاتب، إلى أن سان فرانسيسكو تتخلف عن المدن الكبرى الأخرى عندما يتعلق الأمر بالعودة إلى المكاتب. باستخدام بيانات حول عدد مرات إدخال بطاقة الدخول التي تم جمعها من أكثر من 2600 موقع في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وجدت "كاسل" أنه في الأسبوع الأول من حزيران (يونيو)، كان معدل إشغال المكاتب في سان فرانسيسكو 31.6 في المائة - أقل عشر نقاط من الرقم المتوسط لعشر مدن رئيسة، وخلف نيويورك.
هناك مؤشرات أخرى مثيرة للقلق أيضا. وصف تقرير حديث صادر عن صحيفة "سان فرانسيسكو كرونيكل" وسط المدينة على أنها "على شفا كارثة"، بعد مقارنة بيانات الربع الأول من 2019 مع الفترة نفسها من هذا العام. وجد التقرير أن عدد الأشخاص الذين خرجوا من نظام النقل السريع في مواقع الحي المالي انخفض 76 في المائة، وانخفض عدد الحاضرين في المؤتمر 86 في المائة. في الوقت نفسه، زادت مساحة المكاتب الشاغرة من 4.8 مليون قدم مربع إلى 18.7 مليون قدم مربع.
يمكن ملاحظة التأثير الجماعي لهذه الاتجاهات ببساطة من خلال النظر من حولك، ساعة الذروة بعد الظهر التي اعتدنا أن نرى بها حركة المرور من جسر باي بريدج المزدحم بشكل سيئ وهو يتراجع إلى أعماق شوارع المدينة المزدحمة، لكنه لم يعد كذلك - وربما لن يحدث ذلك مرة أخرى.
يقول البروفيسور نيكولاس بلوم، خبير الاقتصاد في جامعة ستانفورد، إن سان فرانسيسكو هي الحالة "الأكثر تطرفا" للعاملين الذين لا يعودون إلى مدينة كبيرة. قال، "شركات التكنولوجيا انتقلت بالفعل إلى العمل عن بعد".
لكن هذه أخبار سيئة لأشخاص مثل لندن بريد، عمدة سان فرانسيسكو منذ 2018، بسبب نظرية "تأثير الكعك" للأشخاص الذين ينتقلون من وسط المدن تفضيلا للمناطق المجاورة لها. هذا يعني عدم الذهاب إلى العمل، وعدم التردد على الشركات في هذه المناطق المركزية. أو، في أحسن الأحوال، القيام بهذه الأشياء أقل كثيرا من قبل.
يقول بلوم، "إذا حدث تأثير الكعك، وهو كذلك، ستفقد بريد كل الإيرادات الضريبية. أعتقد أن هذه أحد الأسباب التي تجعل بعض هؤلاء السياسيين غاضبين حقا".
انخفض دخل المدينة من ضريبة المبيعات في منطقتي التصويت لأعمالها الأساسية 50 في المائة في 2019 إلى 28.26 مليون دولار في 2020، كما يقول أمين صندوق المدينة. حتى مع زيادة طفيفة في 2021، لا يزال الدخل منخفضا جدا. لذا يحاول مسؤولو المدينة إنقاذ ما يسمونه "النواة الاقتصادية" لسان فرانسيسكو. إضافة إلى الحي المالي، يشمل ذلك منطقة إمبراكاديرو البحرية، والحي الصناعي المعروف باسم سوما وميشن باي، وهو قطاع تم تجديده أخيرا.
في آذار (مارس)، قدمت بريد برنامج "مرحبا بك مرة أخرى في سان فرانسيسكو" بدعم من بعض أكبر أصحاب العمل في المدينة، مثل "أوبر" و"سيلفورس" و"ميتا"، مع التزام كل منهم بتنفيذ سياسات من شأنها أن تشجع على العودة.
في أيار (مايو)، وكجزء من الميزانية المعدلة للمدينة، تم تخصيص 47.9 مليون دولار للمساعدة على استعادة المركز الاقتصادي من خلال زيادة حركة المرور على الأقدام. ضمن ذلك، تم تخصيص ستة ملايين دولار لتجربة أفكار جديدة، مثل إنشاء استخدامات جديدة لمساحات الطابق الأرضي الشاغرة في مجمعات المكاتب.
سيتم إنفاق مليوني دولار أخرى على النشر المستمر لـ"سفراء الترحيب"، أشخاص وأحيانا ضباط شرطة متقاعدين، متمركزين في المناطق التي تكثر فيها حركة المرور لطمأنة الشعب أو مساعدته، ولا سيما أثناء المؤتمرات. تقول كاثرين دانيال، مديرة مبادرات التعافي الاقتصادي في سان فرانسيسكو، "كثير من الأشخاص الذين يتفاعلون مع سفرائنا يقولون إن المدينة ليست كما توقعوا على الإطلاق، بناء على الوصف الموجود هناك". بالنسبة إلى العاملين في المكاتب، ينظر إلى البرامج المصممة لزيادة خيارات الترفيه في المناطق التجارية على أنها إحدى الطرق الممكنة لإغراء العاملين المنتظمين بالعودة.
تقول دانيال، "أعتقد أنه سيكون نوعا من تأثير كرة الثلج. عندما يبدأ الأشخاص في القدوم إلى المكتب، سيرغب مزيد من الأشخاص في القدوم إلى المكتب لأنهم يريدون الوجود مع زملائهم".
في الوقت الحالي، لا يسعى أي من أصحاب العمل الرائدين في مجال التكنولوجيا في المدينة إلى تحقيق عائد كامل. على العكس تماما، في بعض الحالات، مثلا، "أير بي إن بي"، التي تتجلى في غيابها عن أي تعهد بالعودة إلى العمل، تشجع موظفيها على العمل أينما يريدون في العالم، رغم أنها تقول إنها تقدم دعمها لجهود إحياء سياحة المدينة.
في سوق العمل الضيقة، قد تحجم الشركات عن وضع جهدها الكامل وراء العودة إلى المكاتب، بالنظر إلى أن العاملين يظهرون في الوقت الحالي تفضيلا قويا للعمل الهجين، على الأقل.
يقترح إنريكو موريتي، أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، قائلا، "أعتقد أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن تفعله المدينة هو العمل كمنسق بين أصحاب العمل في القطاع الخاص. كل شركة عالية التكنولوجيا منعزلة قد تتردد عن العودة بقوة أكبر من منافساتها. إذا قامت المدينة بالتنسيق، وجلبت جميع شركات التكنولوجيا حول الطاولة، سيؤدي ذلك إلى إزالة الخوف من أن تكون أول من يفعل ذلك".
حتى لو حدث ذلك، فمن غير المرجح أن تعني العودة الناجحة إلى المكاتب عودة كاملة إلى حياة العمل القديمة من الإثنين إلى الجمعة. سيحتاج المركز الاقتصادي، مثل المناطق المماثلة في الدول الرائدة الأخرى حول العالم، إلى التكيف أو الموت.
يعتقد رودني فونج، رئيس غرفة التجارة في سان فرانسيسكو، أنه يجب على مسؤولي المدينة الاعتماد على ما يجعل المدينة فريدة من نوعها. يقول، "يختار الناس العمل في سان فرانسيسكو بسبب مجموعة المواهب الفكرية الموجودة هنا". أضاف، "من الممتع الوجود مع المبدعين الآخرين والمبتكرين الآخرين. من الممتع مشاركة الفنون والثقافة مع زملائك. إن روح المدينة التي تتمتع بها سان فرانسيسكو أمر بالغ الأهمية لمستقبل الأعمال الاقتصادي".