الأزمة الاقتصادية السريلانكية تدق ناقوس الخطر في الأسواق الناشئة

الأزمة الاقتصادية السريلانكية تدق ناقوس الخطر في الأسواق الناشئة

في حقبة أكثر تفاؤلا، كان يمكن أن يطلق على إطاحة السريلانكيين بحكومة فاسدة ألقوا باللوم عليها لانهيار اقتصاد البلد ثورة مخملية. بدأت السبت الماضي عندما نزل عشرات الآلاف إلى شوارع كولومبو، أكبر مدنها، ودخلوا المباني العامة، بما في ذلك المقر الرسمي للرئيس جوتابايا راجاباكسا، في وسط هتافات، "جوتا، اذهب إلى منزلك".
كان الرئيس قد فر من أجل سلامته، لكن في مشاهد تذكر بانهيار كثير من الأنظمة في أواخر القرن الـ20، تجمعت الحشود في القصر، وجلسوا خلف مكتب الرئيس، وسبحوا في بركته، واستحموا في حماماته.
بحلول نهاية الأسبوع، كان راجاباكسا قد رحل بالفعل - أولا على متن طائرة عسكرية اتجهت إلى جزر المالديف، ثم إلى سنغافورة، حيث قدم استقالته أخيرا عبر البريد الإلكتروني. بحلول الجمعة، كان المتظاهرون يخرجون من المباني الحكومية، مع تحلي الجيش بضبط النفس.
في حين يبدو أن الدولة ابتعدت عن حافة المجابهة العنيفة، لا يزال الاقتصاد غارقا في أزمات عميقة. تحتاج سريلانكا الآن إلى حكومة جديدة لإعادة بناء اقتصادها، بدءا من الموافقة على تسهيلات من صندوق النقد الدولي، وخطة حكومية موثوقة لكبح جماح التضخم المتفشي، وموازنة ميزانية حكومية عانت عجزا يزيد على 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2020 و2021.
لكن متاعب سريلانكا الاقتصادية والسياسية بعيدة كل البعد عن كونها مجرد مشكلة وطنية - إنها مثال دراماتيكي على الصعوبات المحتملة التي تلوح في الأفق في عدد من الأسواق الناشئة الأخرى.
إذا كانت سلسلة الصدمات الاقتصادية التي ضربت الاقتصاد العالمي صعبة بما يكفي لإدارتها في الدول الغنية، هناك أسباب أخرى تدعو إلى القلق في كثير من الاقتصادات الفقيرة والناشئة التي تضم أغلبية سكان العالم. تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى عدم الاستقرار السياسي - واليوم تعم الضغوط الاقتصادية كل مكان.
بعد الاضطرابات غير المسبوقة للجائحة، كان الاقتصاد العالمي يعاني بالفعل احتكاكات إعادة فتح سلاسل الإمداد التي لا تزال ضعيفة. كل ذلك كان قبل الأزمة بين روسيا وأوكرانيا.
الأزمة التي تمر بها واحدة من أكبر الدول المصدرة للمواد الغذائية في العالم، إلى جانب العقوبات الغربية القاسية على روسيا وتلاعب بوتين بصادرات الطاقة، أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع - المواد الغذائية وسلع الطاقة والمعادن الصناعية. مع ارتفاع معدلات التضخم، تعمل الولايات المتحدة على رفع أسعار الفائدة ويزداد الدولار قوة أكثر من أي وقت مضى، الذي كان في الماضي في كثير من الأحيان شرارة للأزمات الاقتصادية في العالم النامي.
تقول تاينا فوردهام، الخبيرة الاستراتيجية الجيوسياسية والمستشارة في شركة فوردهام جلوبال فورسايت الاستشارية، "الأسواق الناشئة باعتبارها فئة أصول دائما ما تكون الأكثر حساسية للمخاطر الاقتصادية أو السياسية. الطريقة التي أنظر بها إلى سريلانكا هي مدى كونها مؤشرا للخطر".
ارتفعت عائدات السندات في عدد من الدول - تراوح من باكستان إلى غانا ومصر - في علامة على تصاعد الضغوط الاقتصادية.
تقول جيتا جوبيناث، النائبة الأولى لمدير صندوق النقد الدولي، "عندما تكون لديك أزمة في تكاليف المعيشة فلن يؤدي ذلك إلى اضطراب اقتصادي فحسب، بل اجتماعي أيضا. شهدنا هذا في المرة الأخيرة التي عانينا فيها أزمة غذائية في 2008".
يتراجع النمو في الوقت نفسه لارتفاع أسعار الفائدة بسبب التضخم. تضيف، "يشعر الجميع بالقلق إزاء الآفاق الاقتصادية القاتمة. قد تصبح الأمور أسوأ بكثير".
يجمع الاقتصاد العالمي الآن بين عدد من الأزمات المنفصلة التي شكل كل منها خطرا تاريخيا على كثير من الاقتصادات الناشئة- لكن ليس جميعها.
الأزمة الأولى هي الأثر المستمر للجائحة، التي لم تتسبب فقط في مثل هذه المعاناة الإنسانية لكنها أوجدت أيضا أعباء ديون عالية وناتجا اقتصاديا أقل لخدمتها. ولأن الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل تفتقر إلى الموارد المالية التي أغدقتها الدول الغنية على اقتصاداتها، فقد عكست الجائحة نمط تقارب استمر عقودا حيث كان بقية العالم يقترب اقتصاديا من الغرب. تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن نحو 30 في المائة من الأسواق الناشئة و60 في المائة من الدول منخفضة الدخل هي الآن في خطر كبير من ضائقة الديون أو معرضة لها.
الأزمة الثانية هي التضخم المرتفع. تسببت صدمات أسعار السلع بضغوط خاصة على الدول المستوردة للطاقة والأغذية. ارتفع مؤشر أسعار الغذاء لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة بعد الأزمة بين روسيا وأوكرانيا إلى مستويات أعلى 50 في المائة من متوسط أعوام ما قبل الجائحة. تضاعفت أسعار النفط مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة. انخفض كلاهما في الأسابيع الأخيرة، لكن التضخم امتد إلى ما وراء تلك الفئات وبدأ عموما برفع تكلفة المعيشة بشكل سريع.
تضررت مصر، أكبر مستورد للقمح في العالم، بشدة من ارتفاع أسعار الحبوب، لكن الحكومة لم تتخل عن برنامج دعم الخبز الذي يخدم نحو 70 مليون شخص وينظر إليه على أنه حاسم لتحقيق السلام الاجتماعي. قدم البنك الدولي قرضا قيمته 500 مليون دولار للقاهرة في أيار (مايو) للمساعدة على تمويل مشتريات القمح.
يقول خبراء اقتصاديون إن مصر من المرجح أن تتمكن من تجنب التخلف عن السداد بسبب الدعم المقدم لها من بعض الدول المجاورة. كما يتفاوض البلد أيضا على قرض من صندوق النقد الدولي، ومن المتوقع إتمامه في غضون الأشهر المقبلة.
يوضح هذا التأجيل كيف يمكن أن تكون فاتورة استيراد السلع المرتفعة في دولة ما بمنزلة إيرادات تصدير وفيرة لدولة أخرى. كانت أسعار النفط المرتفعة، التي أثارتها الجائحة وتفاقمت بسبب الأزمة بين روسيا وأوكرانيا، مفيدة لبعض الدول المصدرة للنفط. كانت أنجولا والبحرين وعمان من بين المجموعة الصغيرة من الفائزين.
لكن حتى بعض مصدري النفط والسلع الأخرى كانوا غير قادرين على الاستفادة من ذلك. يشير ويليام جاكسون، من شركة كابيتال إيكونوميكس، إلى نيجيريا التي أغلقت معامل التكرير المحلية بسبب نقص الصيانة، واضطرت الدولة إلى استيراد منتجات مكررة باهظة الثمن. كما تدفع الحكومة دعما عاليا للوقود للسكان، ما يعوض زيادة الإيرادات بشكل كبير من ارتفاع الأسعار، بل وأكثر.
يقول، "إنه لأمر مميز حقا أن يكون لارتفاع أسعار النفط تأثير سلبي في اقتصاد معتمد على النفط".
الأزمة الثالثة هي أسعار الفائدة الأمريكية. شرع الاحتياطي الفيدرالي في دورة تشديد مصحوبة بارتفاع الدولار. بعد أكثر من عام بقليل، ارتفعت القيمة التجارية المرجحة للدولار نحو 10 في المائة.
في الماضي، تسببت مثل هذه التطورات في كثير من الأحيان في أزمات موازنة المدفوعات في الاقتصادات الفقيرة التي تعتمد على الدولار. حيث يدفع ثلث الدول النامية عائدا يزيد على 10 في المائة على اقتراضها السيادي، كما تقول جوبيناث، مضيفة أن "مخاطر أزمات موازنة المدفوعات حقيقية (...) هناك كثير من الأمور التي يمكن أن تسير على نحو خاطئ أكثر من تلك التي يمكن أن تسير على نحو جيد في المدى القريب".
هنا، أيضا، توجد فوارق دقيقة. في الأزمات السابقة، تسبب ارتفاع الدولار في ضائقة واسعة النطاق لأن كثيرا من الاقتصادات الناشئة تقترض في الدولار والعملات الأجنبية الأخرى. أما اليوم، تقترض الاقتصادات الكبيرة مثل الهند، والبرازيل وجنوب إفريقيا في الأغلب بعملاتها الخاصة، معظم هذا الدين يحتفظ به المستثمرون المحليون. هذا الأمر أعطى الاقتصادات مناعة جديدة في مواجهة الصدمات الخارجية.
لكن الاقتراض المحلي ليس مجانيا. إذا تخلفت الأرجنتين عن السداد هذا العام، كما يخشى كثيرون، ستكون المشكلة الديون المحلية وليست بالعملة الأجنبية. قال ألبرتو راموس، رئيس الأبحاث الاقتصادية لأمريكا اللاتينية في مصرف جولدمان ساكس في نيويورك، "يخبرك هذا بأمور كثيرة عن الاقتصاد الكلي غير الفاعل لدرجة كبيرة والمستويات العقابية وغير المستدامة للقمع المالي".
الأزمة الأخيرة هي تأثير العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، ما هز نظام الحوكمة العالمي من أساسه. تقول فوردهام، "لم نكن قط في مكان مثل هذا حيث لدينا صدمات عرض، وتضخم، وارتفاع أسعار فائدة في الوقت ذاته مع وجود هذا الحدث الجيوسياسي المهم مع الحرب في أوكرانيا. نعلم أن روسيا استخدمت بشكل فاعل مخازن الحبوب وكذلك الطاقة كسلاح. وستتضرر الدول المستوردة للطاقة بشكل سيئ بهذا الأمر".
في هذا الأسبوع، اجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية من مجموعة الـ20 لأكبر اقتصادات العالم في إندونيسيا لمناقشة الآفاق القاتمة. مع ذلك، على عكس الأزمة المالية العالمية، ثبت أنه من الصعب جدا على قادة مجموعة الـ20 تبني ردود مشتركة.
هناك خلافات عميقة بشأن كيفية التعامل مع روسيا بين الدول الثرية، التي فرضت عقوبات غير مسبوقة على موسكو والدول القوية الناشئة الكبرى التي تجنبت الانحياز لأي طرف. يجد كثير من القادة أيضا أن انتباههم يتشتت جراء الاضطرابات السياسية في دولهم.
يبدو أن الولايات المتحدة في مأزق سياسي دائم. ستغير المملكة المتحدة رئيس وزرائها وقد ينتهي الأمر بقيام إيطاليا بأمر مشابه. على الرغم من أن فرنسا انتهت من الانتخابات، إلا أنها قد أنشأت برلمانا ليس فيه أغلبية مستقرة. في الوقت نفسه، فإن الصين منشغلة في محاولة التعامل مع سياسة صفر كوفيد الخاصة بها.
تقول فوردهام، "أنا في غاية القلق بشأن الرضا عن النفس. إذ يمكن للحكومات عادة أن تفعل شيئا واحدا على الأكثر. تركز الدول الرائدة جميعها على الشأن الداخلي جدا في الوقت الراهن (...) الدول الأصغر التي تشهد توترا سيتم السماح لها بالتدهور كنتيجة ثانوية مؤسفة للاقتتال الداخلي والإرهاق من الأزمة".
هذا لا يعني أنه لا يمكن فعل أي شيء. يبدو أن الجهود الدبلوماسية لجعل تصدير مزيد من الحبوب آمنا بالنسبة إلى أوكرانيا تتقدم أيضا. حث صندوق النقد الدولي الدول على مواصلة الحد من تعرضها لديون العملات الأجنبية وتجنب ضوابط تصدير الغذاء. يريد الصندوق أيضا دعما ماليا لأزمة تكلفة المعيشة تستهدف المحتاجين عبر التحويلات المباشرة بدلا من دعم أسعار الطاقة.
لكن اتخاذ إجراء دولي أكثر حسما قد يكون بعيد المنال. تقول جوبيناث من صندوق النقد الدولي، "إنه وقت عصيب بالنسبة إلى تعددية الأطراف بالتأكيد".

الأكثر قراءة