كيف تشكل منازلنا طريقة عيشنا في العالم الخارجي؟
بغض النظر عن المكان الذي كنت فيه في العالم أو ما فعلته خلال اليوم في المدينة التي أعيش فيها، أشعر دائما بإحساس عميق بالامتنان والراحة كلما دخلت من باب منزلي.
إنها نعمة أن يكون لديك منزل يجعلك تشعر كأنه ملاذ لك. في الأوقات المختلفة في حياتي، كانت جميع منازلي تقدم لي أشياء مختلفة، فقد كانت مساحة ترحب بالآخرين لتناول وجبات الطعام وقضاء ليال في اللعب والمحادثات الطويلة، وكانت مساحة لتعميق الانتماء للمجتمع وتقوية أواصر العلاقات. أيضا كانت مساحة أستجمع فيها نفسي أو الآخرين معي، للحزن أو الحداد بهدوء، وأنا أنتظر بصبر حتى يلفني التعافي كما يلتف الإزار حولي.
دائما ما كان منزلي هو المكان الذي تعاني فيه حياتي الإبداعية وتزدهر أيضا. إن الطريقة التي نعيش بها في المنزل ونمارس طقوسنا لها تأثير بارز في الطريقة التي نعيش بها في العالم الخارجي، ما يؤثر في تفكيرنا وسلوكنا.
أحب أعمال بولينا بارسكايا، وهي فنانة معاصرة مقيمة في بروكلين. ولدت بارسكايا في أوكرانيا في 1984، اللوحات التي ترسمها صغيرة الحجم وتتضمن صورا شخصية وأخرى لعائلتها. إن أعمالها مثل مذكرات بصرية عن حياتها، حيث تصور كثيرا من هذه اللوحات المساحات المنزلية. في لوحة "بلومفيل" التي رسمتها في 2019، تجلس الفنانة على سريرها غير المرتب، ويداها مرفوعتان للأعلى وهي تربط شعرها. تضفي الألوان الرمادية الفاتحة التي لونت بها غرفة النوم إحساسا لطيفا وهادئا. يمكننا أن نرى في اللوحة الأشجار والمراعي الخضراء عبر النوافذ خلفها، والضوء الذي يتدفق من خلال النافذة التي تغطيها ستارة شفافة على يمين اللوحة. إنه مشهد مسروق يشبه أحد الصباحات الباكرة التي نمضيها وحدنا.
لقد بدأت غرف النوم تصبح غرفا منفصلة في المنزل منذ القرن الـ17 فقط.
لكننا في يومنا الحاضر نعد غرف النوم أكثر الأقسام في منازلنا خصوصية. يمر قدر كبير من الطاقة عبر غرفة النوم، إنها المكان التي يأوي إليه كثير منا عندما نصارع مرضا جسديا أو عاطفيا. المكان الذي نبكي فيه ونحزن، الذي نستلقي فيه ونحن مستيقظون إما في حالة قلق وإما خوف، وحيث نحلم، وفيه نطعم الأطفال أو نحتضنهم. هو المكان الذي قد يذكرنا بأننا وحيدون.
في لوحة بارسكايا الفنية، تذكرني الطريقة التي تجلس بها المرأة على حافة السرير بأن غرفة النوم هي أيضا مكان يبدأ منه كل يوم جديد، وهو المكان الذي يمكننا من خلاله تفقد حالنا من جديد، واستجماع أفكارنا - كل ذلك يمكن أن يؤثر في كيفية تعاملنا مع كل ما يجلبه اليوم لنا، وكيف نواجه العالم الخارجي.
أنا أقدر المساحة التي توفرها لي غرفة النوم. إنها معتكف داخل بيتي. ليس لدي تلفاز فيها، وجدرانها بيضاء وخالية باستثناء مرآة قديمة ولوحة موضوعة فوق السرير. قلة الأشياء الموضوعة هي راحة لعقلي المشغول. بغض النظر عما يدور في حياتي من أحداث، فإنني أحاول ممارسة طقوس الصباح قبل أن أغادر سريري، الطقوس التي تساعدني على التخطيط لهذا اليوم، ومنها أستمد قوتي وأملي.
وضعت أيضا قطعا صغيرة على منضدة سريري مثل كأس صغيرة بحجم الإبهام تذكرني بأن أترك مساحة للطرق غير المتوقعة التي يمكن أن تملؤها الحياة في كأسي. قد يبدو الأمر بسيطا، لكن تلك القطع الموجودة بجانب سريري هي تذكير رمزي بالطريقة التي أريد أن أكون موجودة بها في هذا العالم.
نجا الفنان هوراس بيبين الأمريكي من أصول إفريقية من الحرب العالمية الأولى وقال إن تجربته في الحرب "جعلت كل الفنون في داخلي تتجلى"، وبعد أن فقد قدرته على استخدام يده اليمنى إثر الإصابة بطلقة نارية، علم نفسه الرسم بيده اليسرى.
في لوحة بيبين "سينج بريرز" في 1943، تجلس أم في مطبخ بجوار موقد أسود كبير. يجثو طفلاها، وهما يرتديان ثياب النوم، على حجرها وهي تضع كلتا يديها على رأس الطفلين. على الأرض يوجد بساط بسيط منسوج وهناك بعض أواني الطهي المعلقة على الحائط. أسلوب معيشة هذه العائلة متواضع. لكن المشهد الذي يقدمه بيبين يشير إلى ثرائهم في الرعاية والحب. جسد الأم منحني عليهما لتحميهما، كما لو كانت تجمعهما داخل جسدها مرة أخرى. إن التصوير في اللوحة عظيم.
بإمكان طقوسنا في المنزل أن تشكلنا أو أن تغيرنا تجاه الطريقة التي نعيش بها في العالم. الحقيقة وراء تصوير بيبين لهذا المشهد في المطبخ تسلط الضوء على الدور الذي يلعبه باعتباره قلب المنزل، ومكانا للتغذية والمساندة، الذي في الأغلب ما يستخدم لتكوين العلاقات وبنائها. عندما تطلب من شخص ما أن ينضم إليك في المطبخ فتلك دعوة إلى الوجود في مساحة حميمة مختلفة، حيث تسقط فيها الشكليات ويختلط العمل في الأغلب بالحب والإبداع وتفتح فيها القلوب لبعضها بشكل خاص. في الأغلب ما تعد طاولات المطبخ مكانا تعقد عليه المحادثات الحساسة، حيث نكشف فيها عن أصدق ما في داخلنا، بكل ما فينا من عزة وفوضى.
من الفنانين المفضلين لدي، فنان القرن الـ19 فيلكس فالوتون. اشتهر بأعماله في الحفر على الخشب ولوحاته في التصاميم الداخلية المنزلية، التي تعكس طبيعة العلاقات الإنسانية من خلال توظيف الأشخاص في الفضاءات المادية. تقدم لنا لوحته التي تحمل عنوان "مشهد داخلي لامرأة في لباس أحمر من الخلف"، التي رسمها في 1903، لمحة عن كيف يعيش الآخرون في غرف منازلهم. نحن كمشاهدين، ندخل اللوحة من خلال المجموعة الأولى من الأبواب الزرقاء الباهتة التي تفتح لنا اللوحة. من خلال هذا المدخل، نستطيع رؤية الغرف الثلاث التالية في المنزل: حيث يمكننا عبرها أن نرى جزءا من أريكة وكرسيا وسريرا وملابس متناثرة على كل منها. بينما تدير المرأة لنا ظهرها.
ندخل هنا في مشهد غير مهيأ لاستقبال الضيوف، لنرى فيه هذه المرأة خلسة في منزلها. إذا بقينا لفترة دون أن يلاحظنا أحد، فسنرى في اللوحة كيف تعيش المرأة عندما لا يراها أي شخص آخر. نحن المتطفلون ومنتهكو الخصوصية الذين جاؤوا دون دعوة. ليس من السهل أن تدخل إلى منزل شخص آخر، حيث يصنع الحب ويدمر، وحيث تنسج الأحلام، ويتصارع معظمنا مع أجزاء من أنفسنا لا نعدها مقبولة للعالم الخارجي، بغض النظر عن كون ذلك صحيحا أم لا.
إذا سمحنا لشخص ما بالدخول إلى منزلنا فهو أمر بمنزلة تمديد أواصر الثقة، واستحضار مستوى آخر من التعرف عليه. إن الغرف في منازلنا، بطريقة تزييننا لها والكيفية التي نتفاعل فيها، تخبرنا كثيرا عمن نكون أو من نعتقد أننا نكون أو من نريد أن نكون. تخبرنا أيضا عن الكيفية التي نريد أن نتعامل بها مع الآخرين.
قبل بضعة أسابيع، دعيت إلى منزل أحد الأشخاص لأول مرة. بعد أن أراني غرفة المعيشة، دعيت إلى المطبخ لكي نتناول المشروبات. وعلى الفور، بدأنا نتحدث بسهولة كانت مألوفة. بعد أن أحضر المشروبات، قررنا أن نبقى في المكان نفسه. عرفت حينها أن دعوته لي إلى منزله كانت لفتة حقيقية منه عن رغبته في التعرف علي من قرب. وعرفت أيضا أن بقاءنا في المطبخ كان يعد ببداية صداقة جديدة محتملة.