درس صناعة الإعلام .. شركات الاتصالات رهان المستثمرين الأفضل

درس صناعة الإعلام .. شركات الاتصالات رهان المستثمرين الأفضل

منذ زمن بعيد في مجرة بعيدة، بعيدة جدا، كان النجوم يصنعون الأفلام. توافد الناس على دور السينما لمشاهدتها. كان الممثلون يكسبون المال، وكانت الأفلام تحقق الأرباح، وكثيرا ما حققها المستثمرون أيضا. بعض الشركات حققت أرباحا أكثر من أكبر نجاحاتها من خلال الترويج للحدائق والألعاب والدمى. بسبب ذلك جنى المستثمرون مزيدا من الأموال.
لكن هذه الأنشطة لم تعد قوية كما كانت عليه من قبل. صناعة الإعلام المتغيرة تقدم دراسة لحالة مثيرة للاهتمام، دراسة فيها عبر مفيدة للمستثمرين.
عندما أطلقنا صناديقنا العالمية منذ عقد تقريبا، كان "المحتوى الإعلامي" حينها إحدى الفئات العشر التي وضعناها. في الآونة الأخيرة، تحولت هذه الفئة لتصبح "الوقت أمام الشاشة" الوقت الذي نقضيه في استخدام الأجهزة، ليعكس المشهد المتغير للصناعة.
لم تتغير كمية المحتوى الإعلامي التي نستهلكها فحسب، بل أيضا كيفية استيعابنا لها. تشير الأبحاث التي أجراها موقع يو سويتش إلى أننا نقضي 241 دقيقة في المتوسط في مشاهدة التلفزيون كل يوم، و109 دقائق على وسائل التواصل الاجتماعي، و286 دقيقة على الإنترنت، و75 دقيقة في الاستماع إلى الموسيقى. عائلتي تفعل هذه الأمور الأربعة في الوقت نفسه.
في 2006 مثل توم هانكس فيلم "ذا دافنشي كود". الذي حقق إيرادات إجمالية قدرها 760 مليون دولار في شباك التذاكر. حقق الجزء المكمل له "أنجيلز آند ديمونز" 485 مليون دولار. أما الفيلم الثالث في هذه السلسلة، وهو فيلم "إنفيرنو" الذي تم إنتاجه بعد عقد من صدور الجزء الأول، فقد حقق 220 مليون دولار. وفقا لبين فريتز، مؤلف كتاب "ذا بيج بيكتشر"، حصل هانكس على مبلغ 20 مليون دولار إضافة إلى حصة 25 في المائة من إجمالي الإيرادات في أول جزأين من السلسلة. أما الجزء الثالث، فقد حصل فيه على مبلغ 15.5 مليون دولار "فقط"، وعرض عليه 50 في المائة من الإيرادات. لكن الفيلم لم يحقق إيرادات.
ربما كانت سلسة الأفلام تزداد سوءا بشكل مطرد، لكن الفارق الرئيس بينها كان يكمن في التكنولوجيا.
أدى بث المحتوى عبر الإنترنت إلى تغيير اقتصاديات الصناعة. تطورت أجهزة التلفزيون كثيرا لدرجة أن تجربة السينما المنزلية أصبحت تنافس الذهاب إلى دور السينما. أنت لم تعد مضطرا للجلوس في قاعة السينما بجوار شخص يصدر ضجيجا وهو يتناول الفشار ويمكنك أيضا التوقف أثناء المشاهدة مؤقتا في أي وقت للذهاب إلى الحمام أو تحضير القهوة.
لا تزال السينما تحتفظ ببعض السحر فيها، خاصة بالنسبة إلى المراهقين، لكن ربما تكون رومانسيتها بالنسبة إلى البقية مبالغا فيها بسبب نجوم السينما الذين يحب محاموهم التفاوض على حصة من إيرادات السينما.
غير فيروس كوفيد- 19 هذه الأنشطة أكثر. أظهر كوفيد أن الناس على استعداد لدفع مبالغ إضافية مقابل مشاهدة مبكرة للأفلام الجديدة في منازلهم، فلماذا إذا تتكبد الشركات مشقة طباعة بكرات الأفلام وتوزيعها على الآلاف من دور السينما؟
ربما بدأت مبيعات تذاكر السينما في الانتعاش في 2021 - لتحقق مبلغ 21.3 مليار دولار على مستوى العالم - لكنها لا تزال عند نصف المستوى الذي كانت تحققه قبل كوفيد، وفقا لجمعية موشين بيكتشر أسوسييشين. أدت عمليات الإغلاق إلى سحق هذه الأرقام وأدت التأخيرات التي حدثت في الإنتاج وإصدارات الأفلام إلى إضعاف مبيعات التذاكر هذا العام.
من يدري هل ستتعافى السينما بشكل كامل أم لا؟ من المفترض أن يساعد على ذلك إعادة إنتاج فيلم "توب غن" للممثل توم كروز - وهو ما يشبه جولة لإحدى فرق موسيقى الروك من حقبة الثمانينيات لتأدية أحد ألبوماتها القديمة. حقق الفيلم إيرادات بلغت 124 مليون دولار في الأيام الثلاثة الأولى من عرضه. بعيدا عن فيلم كروز، يبدو أن الصناعة الآن تدفعها سلاسل الأفلام، مثل سلسلة أفلام مارفيل أو ستار وورز، أكثر من نجوم السينما. ما زال بإمكان هذه الأفلام أن تحشد الجماهير وأن تحقق إيرادات ضخمة عند عرضها، لكن دعم أفلام جديدة يعد محفوفا بالمخاطر. قد تفضل استوديوهات الإنتاج أن تسرد قصة في أكثر من عشر حلقات يتم بثها على التلفزيون ثم تصدر فيلما متفرعا منها إذا حققت النجاح المطلوب.
يمكن أن يجذب البث عبر الإنترنت جمهورا قدره 1.3 مليار شخص، وفقا لموشين بيكتشر أسوسييشين - وهو رقم أكبر بكثير من جمهور دور السينما الغربية. هذا يفسر سبب التزام الاستوديوهات الكبيرة المنتجة للأفلام بخدمة البث عبر الإنترنت أو إطلاق خدماتها بث خاصة بها، وسبب إنتاجهم لكثير من "المحتوى" لهذه المنصات.
في بيئة زاد فيها البث عبر الإنترنت من شهيتنا لمثل هذا المحتوى، قد تتخيل أن المنتجين ينعمون بأرباح وفيرة. كلا أبدا! كان امتلاك أسهم نتفليكس - التي انخفضت قيمتها 50 في المائة في الأشهر الثلاثة الماضية - هو أسوأ قرار اتخذناه هذا العام. لقد كانت حيازاتنا قليلة، والآن أصبحت أقل. ما زلت متفائلا بشأن مستقبل الشركة، لكن ليس بما يكفي لنضاعف استثمارنا ونشتري مزيدا من أسهمها.
هذا القطاع مليء بالتحديات، وأبرزها المنافسة. أطلقت شركة باراماونت جلوبال "المعروفة سابقا باسم فياكوم" هذا الشهر خدمة باراماونت بلاس في المملكة المتحدة. وهي خدمة تنافس أمازون برايم فيديو وديزني بلاس وسكاي / ناو تي في ونتفليكس وأبل تي في وغيرها. يمكن لكل من هذه الشركات أن تضع كثيرا من الأموال للفوز بمشتركين يولدون عوائد منخفضة للمساهمين حتى يظهر الفائز من بينها جميعا. لكن الأمور أعمق من ذلك بكثير.
لقد كانت ديزني دائما واحدة من أفضل الشركات في تحقيق أقصى العوائد من أفلامها الجيدة. تم تصوير فيلم "بايريتس أوف ذا كاريبيان" لأنه كان تجربة رائعة في متنزه ديزني. لكن مع إطلاق ديزني منصة ديزني بلاس للبث عبر الإنترنت، فإنها بحاجة إلى الوصول إلى ما هو أبعد من جمهور العائلة اليافع في قلب ثقافتها. هذا ما يفسر إنتاجها للمسلسلين القصيرين "بام آند تومي" و"دوبسيك". دعنا فقط نقول إن المسلسلين لا يتناسبان مع تجربة المدينة الترفيهية ذات الطابع العائلي. فقد يؤثر هذا في ربحية ديزني.
بدأت نتفليكس تزيد من نجاحاتها في الألعاب والأفلام والمسلسلات المتفرعة. لديها كل البيانات اللازمة لتعرف أي من برامجها يشاهده مشتركوها الأساسيون وأيها يعد مضيعة للمال. هذا سيمكنها من استهداف الاستثمار بشكل أكثر فاعلية وزيادة أرباحها، حتى لو كانت المنصة تفقد مزيدا من المشتركين. هناك مزيد من الخطوات التي يمكن أن تتخذها لتحسين الربحية - ليس فقط من خلال منعنا من مشاركة كلمات المرور لحساباتنا فيها.
كانت شركة تايم وورنر تعاني سوء إدارة كارثي لكنها اندمجت الآن مع قناة ديسكوفري لتصبح الآن وورنر بروز ديسكوفري، حيث وزعت المحتوى الذي تملكه عبر منصة إتش بي أوه ماكس. ستصل هذه الخدمة إلى المملكة المتحدة بحلول 2025، لكن كم منا ستكون لديه القدرة على الاشتراك بخدمة أخرى؟
يمكن لأبل وأمازون تقليد نتفليكس كصانعتين للبرامج ومشتريتين أيضا - لكن هذا لا يجعل منهما شركتين إعلاميتين. وهو بالتأكيد ليس السبب الرئيس لامتلاك أسهمهما "نحن نمتلك أسهم أمازون بالفعل، لكنها تقع ضمن فئة الخدمات عبر الإنترنت".
على الرغم من أنني لا أرى عمليات شراء قوية لأسهم هذا القطاع، إلا أن الوقت أمام الشاشة هو أحد أكبر فئاتنا، حيث تمثل الفئة 12 في المائة من محافظنا الاستثمارية. ربما أضرت نتفليكس بنا، لكن حيازاتنا الأخرى في شركات الاتصالات، حققت أداء جيدا في الأشهر الثلاثة الماضية. ارتفع سهم شركة تيليكوم سنغافورة 3 في المائة وسهم شركة كيه بي إن 7 في المائة، بينما ارتفع سهم شركة نيبون تي نبيون 11 في المائة وسهم شركة أيه تي آند تي 17 في المائة.
بعبارة أخرى، لم تأت الأموال من الشركات التي تقدم المحتوى، بل من الشركات التي نعتمد عليها جميعنا للوصول إلى هذا المحتوى. ما هي الدروس المستفادة من هذا؟ قد تكون القطاعات التي تحدث فيها تغييرات جذرية متقلبة وتحقق أرباحا مخيبة للآمال على الرغم من نموها السريع. المنافسة القوية تضغط هوامش الربح.
إذا لم تتمكن من العثور على طريقة لكي تنعش أرباحك من خلال الاستثمار في الشركات الجذابة التي تتصدر عناوين الأخبار، فابحث بدلا من ذلك عن الشركات التي تعتمد عليها. قد يكون المال موجودا في الشركات العادية.

الأكثر قراءة