إخفاق الاحتياطي الفيدرالي يكلف العالم ثمنا فادحا

إخفاق الاحتياطي الفيدرالي يكلف العالم ثمنا فادحا

أرقام التضخم الأمريكي الرهيبة لحزيران (يونيو) تعد تذكيرا بأن الأيام الصعبة في طريقها إلى أناس كثيرين في أمريكا وحول العالم، خاصة للفئات الأكثر ضعفا من السكان والدول النامية الأكثر هشاشة.
ليس هذا لأن التضخم سيسجل أعلى مستوى آخر له في أربعة عقود خلال الأشهر الثلاثة المقبلة أبدا، بل بسبب الضرر الذي حدث بالفعل وسيحدث لاحقا.
عند 9.1 في المائة ليونيو، جاء الرقم الرئيس لتضخم مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة أعلى كثيرا من متوسط التوقعات البالغ 8.8 في المائة، مسجلا بذلك أعلى مستوى له منذ 1981. وكان أيضا المقياس الأساسي أعلى من المتوقع، فيما زادت التفاصيل التركيبية من المخاوف.
هذا المستوى من التضخم سيصيب كثيرين بالصدمة، ولا سيما أولئك الذين شعروا بالارتياح الزائف لرواية مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي أخفق منذ اليوم الأول من حلقة التضخم هذه، في فهم الديناميكيات المؤثرة، وفهم خطورة ما هو آت، والتصرف بسرعة وحسم من أجل تجنب الضرر غير المبرر للكثيرين.
الرقم المذهل الذي سينتشر على الصفحات الأولى من الصحف ويهيمن على البرامج الإخبارية والمواقع الإلكترونية، سيؤدي إلى مزيد من التعرية لمصداقية سياسة بنك الاحتياطي الفيدرالي المتضررة أصلا، وسيقوض فعالية أداة التوجيه المستقبلية ذات الأهمية الكبيرة.
وسيتعين على بنك الاحتياطي الفيدرالي، على عكس البنك المركزي الأوروبي، أن يشرح سبب توقعاته الخاطئة للتضخم ولفترة طويلة. وعلى عكس بنك إنجلترا، الاحتياطي الفيدرالي لم يلعب بعد دوره التكنوقراطي كمستشار نزيه كي يشرح ما يجري في الاقتصاد ولماذا؟
ليس أمام الاحتياطي الفيدرالي الآن خيار سوى الرد بقوة. من المؤكد أنه سيرفع أسعار الفائدة 0.75 نقطة مئوية في وقت لاحق من هذا الشهر ويمكنه أن يفكر في زيادة بنسبة نقطة مئوية.
غير أن ردة الفعل المتأخرة هذه في السياسة ستزيد من مخاطر حدوث ركود، ولا سيما بالنظر إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي. وهي بدورها تتسبب، فوق ذلك، في انعدام الأمن في الدخل إلى جانب التآكل الخطير الحاصل في القوة الشرائية الذي نجم عن التضخم - وهي ظاهرة تؤثر بشدة على أصحاب الدخل المنخفض.
لكن لحسن الحظ، سينخفض التضخم خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. هذه هي الأخبار الجيدة. أما الأخبار الأقل منها فهي عن الزيادة المستمرة في ضغوط الأسعار التي كانت واضحة في البيانات التفصيلية اليوم. ويضيف هذا إلى حالة عدم اليقين الكبيرة التي تحيط باستحكام التضخم الذي سمح بنك الاحتياطي الفيدرالي له بالتجذر بشكل أكبر في الاقتصاد.
وعلى هذا الأساس، خاصة إذا فشل أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي في التحرك معا وبسرعة، سيكون من الحماقة استبعاد فرصة أن تضرب موجة ثالثة من الضغوط التضخمية يكون من شأنها تعليق وعكس الحركة الهبوطية في الأشهر الثلاثة المقبلة.
في غضون ذلك ستنتشر الآثار المترتبة على كل هذا إلى أبعد من الولايات المتحدة. هذا التضخم المرتفع، ورد فعل السياسة النقدية الذي سيترتب عليه، سيضيف الوقود إلى ظاهرة "الحرائق الصغيرة في كل مكان" وهو أمر مقلق بشكل خاص للدول النامية التي تتعامل أصلا مع نقص الأمن الغذائي والطاقة.
هذه الدول تواجه الآن مزيدا من التشديد بسبب الأوضاع المالية العالمية، فضلا عن زيادة ارتفاع قيمة الدولار التي تؤدي إلى تفاقم التضخم المستورد وتهدد بزعزعة استقرار استدامة ديونها واستقرار الأسواق المالية المحلية.
كن على يقين أن أرقام التضخم الأخيرة تدل على أمواج هائجة ستأتي في المستقبل، خاصة بالنسبة للفئات الأكثر ضعفا في المجتمع في الولايات المتحدة وحول العالم. وأن كثيرا مما حدث كان من الممكن تجنبه لو أن أقوى بنك مركزي في العالم كان أكثر استجابة من خلال استخدام أدوات السياسة الخاصة به - ولم يتمسك بإصرار بموقفه المتمثل في أن ارتفاعات التضخم التي حدثت العام الماضي كانت "عابرة" فقط.

رئيس كلية كوينز-جامعة كامبريدج ومستشار اقتصادي

الأكثر قراءة