تحول جذري في البيئة الجغرافية - السياسية «3 من 3»

في ظل هذا الفضاء المعكر بأجواء الاختلاقات، تمثل الحرب وما تبعها من تجميد منسق وغير مسبوق للاحتياطيات الدولية للبنك المركزي الروسي تطورات جديدة ومهمة. وينبغي توخي الحرص في مراقبة هذه القوى الباطشة والطاردة وإلا أدت إلى زيادة التفكك الاقتصادي.
وتم تصميم قرار تجميد احتياطيات البنك المركزي لتسديد ضربة قوية في قلب "روسيا الحصينة"، أي الحصون الاقتصادية والمالية التي أرستها السلطات الروسية منذ التدخل العسكري الروسي في القرم 2014. وكان من المفترض أن تسهم هذه الذخيرة الضخمة من الاحتياطيات الدولية ـ 37 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الروسي ـ في حماية روسيا من أي عقوبات مالية. وفي ظل تجميد جزء كبير من الاحتياطيات، أصبحت روسيا في الوقت الحالي تعتمد اعتمادا كبيرا على صادرات الطاقة المستمرة لتمويل عملياتها الحربية ـ وهو ما يمثل موطن ضعف كبيرا.
غير أن فرض العقوبات على البنوك المركزية يثير تساؤلات حول جدوى الاحتياطيات الدولية الدولارية في المقام الأول بوجه عام، ولا سيما إذا بدت شروط تقييد استخدامها مجحفة، على الأقل من وجهة نظر الدول المالكة لهذه الاحتياطيات. ويشكل ذلك ما يمكن أن نطلق عليه "معضلة تريفين الجغرافية ـ السياسية"، حيث يمكن أن تؤدي التوقعات بفرض قيود مستقبلية على استخدام الاحتياطيات، بدلا من توقعات عدم كفاية الحيز المالي، إلى التحول بعيدا عن الأصول الدولارية.
ومن هذا المنطلق، نجد أن الحرب سلطت الضوء على احتمالات عدم استقرار النظام الاقتصادي العالمي الحالي. وفي هذه البيئة الجديدة، أصبح صندوق النقد الدولي يواجه أسئلة وجودية مهمة. فباعتباره مؤسسة عالمية تهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي العالمي، قد تزداد صعوبة العمل في بيئة تتسم بالاستقطاب الجغرافي ـ السياسي.
والحل الملائم هو خفض الطموحات والتركيز على الكتلة التي تربطها تحالفات تاريخية مع الدول الأوائل التي وقعت اتفاقية بريتون وودز. غير أن ذلك لن يفلح في مواجهة التحدي التاريخي الماثل أمامنا. فقد سلطت الحرب الضوء على احتمالات عدم استقرار النظام الاقتصادي العالمي الحالي.
عوضا عن ذلك، علينا أن ندرك أن عالما مشتتا يعني عالما أكثر تقلبا وضعفا، وقيودا أكبر على الأصول الآمنة، وشبكة أمان مالي عالمية أقل شمولا. وهذا العالم في حاجة أكبر، لا أقل، إلى صندوق النقد الدولي. وباعتبارنا مؤسسة، علينا أن نجد سبيلا لتحقيق مهمتنا في تقديم المساعدة المالية والخبرة عند اللزوم، والحفاظ على جميع دولنا الأعضاء وتمثيلها، حتى إن بات ذلك أشد صعوبة في ظل الأوضاع السياسية الحالية. ذلك أنه إذا ما بدأت طبقات البيئة الجغرافية ـ السياسية في التفكك، فسيتعين علينا مد مزيد من الجسور، لا القليل منها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي