سوق العقارات اللندنية توصد الباب أمام الأموال الروسية

سوق العقارات اللندنية توصد الباب أمام الأموال الروسية
سوق العقارات اللندنية توصد الباب أمام الأموال الروسية

كانت أليسا زوتيموفا تتطلع في آذار (مارس) إلى إتمام معاملة اعتيادية لوكالتها العقارية، التي تقدم خدماتها للمتحدثين باللغة الروسية بشكل رئيس. كان عميلها المقيم في موسكو سيشتري شقة في وستمنستر وسط لندن لولديه اللذين يدرسان في المملكة المتحدة. ثم بدأ الجانب الآخر في تعطيل المعاملة التي تبلغ قيمتها مليوني جنيه استرليني.
في مكتبها في ماريليبون، بالقرب من الشوارع التي استثمر فيها الروس مليارات الجنيهات الاسترلينية في فلل مايفير المتلاصقة والشقق الفاخرة، تتذكر زوتيموفا كيف عبر البائعون عن عدم رضاهم عن رواية عمليها بشأن مصدر الأموال.
تغيرت بيئة مشاركة الروس في السوق منذ العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في 24 شباط (فبراير). فرضت المملكة المتحدة وحكومات أخرى منذ ذلك الحين عقوبات على مئات آخرين من الروس، إضافة إلى الذين كانوا يخضعون لقيود في السابق بسبب ارتباطهم بالفساد أو صلاتهم في الدولة الروسية.
توضح قصة زوتيموفا نهاية - أو على الأقل برودة - علاقة استمرت عقودا بين أموال الروس وبيوت منطقة بلجرافيا البيضاء الفخمة ذات التصميم الكلاسيكي الحديث، والقصور في هايغيت، وعقارات حصرية أخرى في لندن.
تقول زوتيموفا، المقيمة منذ فترة طويلة في لندن وهي من روسيا في الأصل، عن البائعين، "قالوا، نحن لا نريد أن نبيع لك، لا يرضينا مصدر أموالك".
إن العقوبات المفروضة على كثير من البنوك في البلد تجعل من الصعب حتى على الروس غير المدرجين في أي قوائم عقوبات نقل الأموال إلى المملكة المتحدة، وفقا لأشخاص نشطين في السوق. عززت الأزمة الضغط المتنامي على وكلاء العقارات للتدقيق في هويات - وأموال - الذين يسعون إلى شراء العقارات أو بيعها في المملكة المتحدة.
أدى هذا التحول إلى زيادة المخاوف بين المشترين الروس المحتملين. قالت زوتيموفا إن معاملتها فشلت في النهاية، بعد أن بدأ العميل، وهو مصرفي، في التخوف.
"لقد قال، وأنا بدوري لست متأكدا من أنني أريد فعل ذلك الآن، على الرغم من أن أمواله كانت موجودة بالفعل. ماذا لو أن الأمر تحول لشرائي لها الآن لتتم مصادرتها بعد أسبوعين؟'، حسبما تتذكر زوتيموفا.
إن السؤال هو إلى أي مدى سيكون تأثير الحملة الحالية عميقا وكم سيستمر.
يقول جرانت أليكسون، مؤسس شركة جي إيه ريزيدنشال المتخصصة في العقارات الراقية في هامبستيد وهايغيت، إن التأثير اقتصر في الغالب في العقارات التي تبلغ قيمتها عشرة ملايين جنيه استرليني أو أكثر - فئة "العقارات الفائقة".
"سأقول إن هناك نشاطا أقل مع النوع المبهرج من البيع الروسي على مستوى العقارات الفائقة"، كما يضيف.
يصر هنري بريور، وكيل عقاري في لندن قام بحملات منذ وقت طويل لإنهاء استخدام سوق العقارات في العاصمة البريطانية مستودعا للأموال "المشبوهة"، على أن كثيرا من المستشارين المهنيين غير مستعدين حاليا للعمل مع الروس بأي شكل من الأشكال.
يقول بريور، "إذا كنت مواطنا روسيا أو حاملا لجواز سفر روسي وتمتلك عقارا في لندن، فستجد صعوبة بالغة في العثور على أي شخص يساعدك على الشراء أو البيع".
مع ذلك، يصر بعض المشاركين في السوق على أن صورة الروس تعرضت للتشويه بشكل غير عادل. استنكر جاري هيرشام، أحد أشهر وكلاء العقارات الراقية في لندن ومؤسس شركة بوشامب العقارية، الخطابات الأخيرة التي وصفت معظم استثمارات العقارات في لندن من الروس على أنها غير مشروعة.
يقول، "أعتقد أن العقوبات برمتها قد أسيء فهمها وهي خاطئة حقا".
لكن ليس هناك شك في أن سوق الإسكان في لندن اجتذبت مليارات الجنيهات التي يمتلكها مستفيدون من الفترة الانتقالية الفاسدة لما بعد الشيوعية في روسيا وشخصيات مرتبطة ارتباطا وثيقا بحرب أوكرانيا. ذكر تقرير نشرته لجنة الشؤون الخارجية في مجلس العموم البريطاني في 30 حزيران (يونيو) أن سوق العقارات في البلد أصبحت "صندوقا لتأمين الودائع الشخصية" من الأموال القذرة.
يمكن تلخيص كثير من القضايا من خلال قصة شقة واحدة في هولاند جرين بليس في غرب لندن. تظهر وثائق السجلات العقارية أن بولينا كوفاليفا دفعت 4.4 مليون جنيه استرليني مقابل عقد إيجار لمدة 999 عاما لشقة في الطابق الأرضي في المشروع الفاخر في 2016، وهو العام الذي تم فيه الانتهاء من المجمع المشيد من الحجر الجيري والزجاج.
على الرغم من أن كوفاليفا، التي كانت آنذاك طالبة تبلغ من العمر 21 عاما، دفعت ثمن العقار دون رهن عقاري، فإن الشراء لم يجذب انتباه الجمهور حتى كشف نشطاء في العام الماضي أنها ابنة زوجة سيرجي لافروف، وزير الخارجية الروسي، وملازم بارز للرئيس الروسي فلاديمير بوتن. بعد العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، تجمع المتظاهرون خارج هولاند جرين بليس حاملين لافتات تهاجمها. ثم بعد ذلك بوقت قصير، جمدت المملكة المتحدة جميع أصول كوفاليفا في المملكة المتحدة ومنعتها من زيارتها.
حددت منظمة الشفافية الدولية، المكافحة للفساد، ما قيمته 6.7 مليار جنيه استرليني من العقارات البريطانية التي تقول إنه تم شراؤها "بأموال مشبوهة". وقدرت بشكل منفصل أن الأشخاص المقربين من الحكومة الروسية الحالية يمتلكون عقارات بقيمة 1.5 مليار جنيه استرليني في المملكة المتحدة.
يقول أنتوني باين، المدير المنتدب لـ"لونرس"، خدمة تجمع معلومات حول سوق العقارات الراقية في لندن، إنه تم كشف قضية كوفاليفا من خلال حملة عازمة بشكل خاص. لفتت كوفاليفا الانتباه أيضا إلى نفسها عبر حسابها على إنستجرام حيث كانت تتباهى بحياة البذخ. لم تعلق كوفاليفا بعد أن تركت "فاينانشال تايمز" رسالة مع البواب.
يشتبه باين في وجود كثير من الأشخاص الآخرين الأقل شهرة المرتبطين بالحكومة الروسية الذين يعيشون في لندن ويفضلون البقاء بعيدا عن الأضواء. وكثير منهم يحملون جوازات سفر بريطانية.
يقول، "هؤلاء الأشخاص الذين يحملون الجنسية البريطانية، والذين يسافرون دون لفت الانتباه إليهم، سيستمرون في العيش في لندن. سيكونون بعيدين عن الأنظار إلى حد كبير. لكن سيسلط الضوء عليهم فقط إذا حاولوا بيع عقاراتهم".
في قلب كثير من القضايا تركيز متجدد ليس على العقوبات فقط، بل على التزامات وكلاء العقارات. طلب من الوكلاء منذ 2017 التسجيل في هيئة الإيرادات والجمارك الملكية وإخطارهم بأي نشاط قد يشير إلى غسل الأموال. ويجب عليهم إبلاغ الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة بأي نشاط مشبوه.
يعزو أليكسون النقص الحالي في صفقات العقارات الفاخرة إلى حذر بعض الروس من إخضاع أنفسهم لهذه العملية.
يقول، "هناك كثير ممن لم تفرض عليهم العقوبات والذين قد يرغبون أو لا يرغبون في البيع. لكن ما أراه هو أنهم توقفوا عن الدخول في السوق".
وفقا لأليكسون، فإن التصور السائد بين وكلاء العقارات هو أن هيئة الإيرادات والجمارك الملكية تراقب تعاملاتهم مع القضايا المتعلقة بقوانين مكافحة غسل الأموال بكل حزم. ويقول إنه يبدو أن الهيئة تتوقع من وكلاء العقارات، من خلال اجتماعاتهم المنتظمة مع العملاء، أن يتعرفوا على الهوية الحقيقية لهم أكثر من المهنيين الآخرين.
"لقد تعلم الوكلاء أخيرا أنه لا يمكنهم إبرام الصفقات مع أي شخص. لأن الأمر لا يتعلق بالمال فقط".
قال أليكسون إنه اضطر في وقت سابق من هذا العام إلى رفض التعامل مع أحد العملاء - وهو شخص ليس روسي الجنسية رفض الكشف عن هوية صاحب الملكية الأساسي - أو المستفيد منها - لعقار كبير في هامستيد كان ينوي بيعه. ينص قانون الجريمة الاقتصادية، الذي تم تمريره في وقت سابق من هذا العام، على إنشاء سجل جديد لجميع العقارات في المملكة المتحدة التي تملكها الشركات الخارجية - لكن تقرير لجنة الشؤون الخارجية الصادر في حزيران (يونيو) أشار إلى أن الأحكام لم تدخل حيز التنفيذ بعد. كما أعربت اللجنة عن قلقها من إمكانية التهرب من هذا الالتزام بسهولة.
أضاف أليكسون أن المالك المسجل للمنزل كان شركة مسجلة في ولاية قضائية خارجية.
"منذ ذلك الحين عرض العقار في السوق، لذلك افترضت أن الشخص قد رضخ وأكد رسميا هوية المالك المستفيد"، كما قال.
على أحد الطرق السكنية الحصرية في منطقة هايغيت، حيث تباع كثير من المنازل الكبيرة المبنية من الطوب بنحو عشرة ملايين جنيه استرليني، كانت أعمال التجديد الشاملة تجري على قدم وساق حتى وقت قريب في عقار، يقول أليكسون، إنه مملوك لشخصية روسية مقربة من حكومة بوتين.
أضاف، "لقد توقفت جميع أعمال التجديد فيه. من الواضح أن تدفق السيولة قد توقف".
في حالة الأشخاص الخاضعين الآن لعقوبات المملكة المتحدة، منعت شركات المحاماة ووكلاء العقارات وأصحاب الملكية العقارية المطلقة والأفراد من أخذ أموالهم دون الحصول على إذن خاص. فرضت القيود تسريح جميع الموظفين الذين كانوا يعملون سابقا لدى علي شير عثمانوف في قصره بيتشوود هاوس في هايغيت، وهو رجل أعمال مولود في أوزبكستان ومقرب من الحكومة الروسية، وفقا لما ذكره أليكسون. وقد فرضت عقوبات على عثمانوف في آذار (مارس).
يشير أندرو لانغتون، رئيس شركة أيليسفورد إنترناشونال، وكالة عقارية في تشيلسي قدمت خدماتها لعملاء دوليين رفيعي المستوى لأكثر من 50 عاما، إلى أن المتأثرين من هذه الأحداث لم يعد بإمكانهم دفع تكاليف صيانة عقاراتهم في لندن أو حتى التأمين عليها.
"أعتقد أن منازلهم ستبدأ في التعفن، بمعنى أننا سنرى شجرة البوديليا تنمو من المزاريب. إذا لم تقم بصيانة منزلك، فسيبدأ كل شيء في النمو بسرعة كبيرة"، حسبما قال.
أيضا أعرب لانغتون عن ندمه علنا بسبب الحرب فيما يتعلق بدوره السابق في بيع العقارات لبعض أبرز الشخصيات الروسية المقيمة في لندن.
لكن المشهد ليس بتلك البساطة. تقول زوتيموفا إن أهمية الروس في سوق العقارات في لندن كان مبالغا فيها في الماضي.
تضيف، "في السابق، كان يبدو أن الروس أكثر إثارة لأنني أعتقد أنه كان من الممتع الكتابة عنهم. كان هناك كثير من الأثرياء الآخرين الذين يشترون كثيرا من العقارات لكن لم يكتب عنهم شيء".
في الأسبوعين اللذين أعقبا العملية العسكرية الروسية مباشرة، اختفت نحو 80 في المائة من أعمال زوتيموفا. فكرت زوتيموفا - التي أعربت عن خوفها من الحرب - في تسريح جميع موظفيها أو إغلاق شركتها في وجه القيود الصارمة التي كانت تهددها. كان من بين هذه القيود اقتراح قصير الأجل يقضي بتجميد جميع الحسابات المصرفية في المملكة المتحدة التي يملكها الروس التي تحتوي على أكثر من 50 ألف جنيه استرليني.
مع ذلك، تعافت أعمالها بشكل جزئي. تقول، "لقد أجرينا بعض التعديلات. نرى الآن أن الحياة ستستمر في هذه السوق. أعتقد أنه إذا أغلقت الصين جميع أبوابها، فسيكون التأثير أشد".
فيما يصر هيرشام على أن إجراءات "اعرف عميلك" الحالية "صارمة للغاية" وأن كثيرا من المشترين الروس ما زالوا يحصلون على الموافقة بعد التحقق منهم.
يقول، "إما أنهم يحصلون على الموافقة بموجب إجراءات اعرف عميلك وإما لا يحصلون عليها. كثير من الروس الذين يأتون لشراء منازل تراوح قيمتها بين عشرة و20 مليون جنيه استرليني لا تشوبهم شائبة. لديهم الدخل والوظيفة. أنهم يكسبون المال بطريقة مشروعة".
وفقا لهيرشام، الأموال المقبلة من روسيا الآن هي أقل إشكالية بكثير مما كانت عليه عندما كان الروس ينفقون بحرية قبل 20 عاما. "إذا كنت تعتقد أن أموال الروس تأتي بطرق غير مشروعة، فإن المكاسب غير المشروعة قد أتت في نهاية القرن. كان الجميع يهرولون لأخذ أكبر قدر ممكن منها، ومنهم النواب وأصحاب العقارات والنبلاء. على العكس من ذلك، أصبح المال الآن أنظف بكثير مما كان عليه في ذلك الوقت".
يقول إن بعض الروس المقيمين في المملكة المتحدة، غير القادرين على الوصول إلى حساباتهم المصرفية الروسية، قد اضطروا إلى بيع عقاراتهم للحصول على السيولة النقدية.
"قد يجبرون على بيع إحدى عقاراتهم أو كلها والعيش في منازل أقل مستوى في سبيل الحصول على المال من أجل العيش"، كما يقول هيرشام. "لقد رأيت ذلك يحدث في بعض الحالات القليلة".
يتضح التغير في الحالة العامة في ساحة بيلغريف، بالقرب من هايد بارك كورنر. على الجانب الشمالي من الساحة، بدأ الطلاء على القصر الذي يملكه أوليج ديريباسكا يتقشر، وهو شخصية روسية بارزة في الصناعة والذي وضع تحت العقوبات الأمريكية أول مرة في 2018 ثم وضع تحت قيود جديدة في المملكة المتحدة في آذار (مارس). تم استبدال الباب الأمامي لمنزله بسياج خشبي وباب أمان مؤقت. في آذار (مارس)، احتل متظاهرون المبنى لفترة وجيزة قبل أن تطردهم الشرطة. وهناك شجرتا غار بالقرب من الباب الأمامي تحتضران.
قبل إقالته من منصب وزير الإسكان في المملكة المتحدة الأربعاء الماضي، طرح مايكل جوف خطة لإيواء اللاجئين الأوكرانيين في هذه العقارات المجمدة المملوكة للروس، على الرغم من عدم عرض مقترحات ملموسة حول كيفية تطبيق هذا المقترح. قالت ليز تروس وزيرة الخارجية للنواب في أواخر حزيران (يونيو) إنها تبحث "من كثب" في طرق لاستخدام عوائد بيع الأصول المجمدة للأشخاص الخاضعين للعقوبات من أجل تعويض ضحايا الحرب.
أقر باين من "لونرس" أن الأجواء ستبقي بعض الروس خارج سوق لندن. لكنه يصر على أن مجموعات أخرى ستوفر رأس مال جديد للحفاظ على انتعاش أسعار العقارات الراقية في لندن.
أيضا يتوقع أن تصمد السوق إجمالا أمام انخفاض الطلب من الروس. على الرغم من أن عدد عمليات بيع العقارات في وسط لندن الرئيس انخفض أكثر من 30 في المائة عن مستويات الازدهار في 2021، فإن حجم الصفقات في سوق العقارات التي تزيد قيمتها على خمسة ملايين جنيه استرليني صمدت بشكل أفضل من نطاقات الأسعار الأخرى، حيث انخفضت 12.1 في المائة فقط.
يقول باين، "في أي سوق ستواجه عيوب واستغلال، لكن الجانب الراقي من سوق لندن كان ملعبا دوليا لعقود من الزمن".
في الوقت نفسه، يعد برايور أن التحول في الشعور ضد قبول الأموال الروسية وغيرها من الأموال المشكوك فيها أمر مرحب به. يعتقد أن سوق العقارات في لندن قد اعتادت كثيرا على مدى عقود على وجود مليارات من الجنيهات الاسترلينية من الأموال التي تم الحصول عليها بطرق مشكوك فيها.
يقول برايور، "عملائي وغيرهم من المنخرطين في شراء العقارات الراقية وبيعها يشعرون بالفرح بسبب التخلص من الأموال المشبوهة التي لم تكسب بالتكلفة نفسها لكسب الأموال النظيفة. لذلك لن يتعين علينا التنافس مع أشخاص يكسبون المال دون مجهود".

الأكثر قراءة