هل يوقظ "المركزي الأوروبي" شبح النزاعات القانونية والسياسية؟

هل يوقظ "المركزي الأوروبي" شبح النزاعات القانونية والسياسية؟

اعتقد محافظو البنوك المركزية في منطقة اليورو المسؤولين عن تحديد سعر الفائدة، 25 محافظا، بعد اجتماعهم في أمستردام الشهر الماضي أن لديهم متسعا من الوقت لوضع اللمسات الأخيرة على خطة المركزي الأوروبي لتجنب أزمة في سوق السندات عندما بدأوا في رفع أسعار الفائدة. لكنهم كانوا مخطئين.
أدت الزيادة في تكاليف الاقتراض لدول جنوب أوروبا الأضعف، لا سيما إيطاليا، إلى تباين في العوائد مع الدول الأعضاء الشمالية، وهي ظاهرة يصفها محافظو البنوك المركزية بأنها التجزئة. في اجتماع طارئ، قرر البنك المركزي الأوروبي "تسريع استكمال تصميم أداة جديدة لمكافحة التجزئة" لمواجهة أي عمليات بيع كثيفة غير مبررة في سندات الدولة.
قال بيير ونش، رئيس البنك المركزي البلجيكي وعضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، لـ "فاينانشيال تايمز": "إذا كانت التجزئة في أسواق السندات ليس لها مبرر، فينبغي أن نكون غير محدودين قدر الإمكان. حجة التصرف قوية عندما تواجه تجزؤا لا مبرر له".
من المتوقع أن يقدم مجلس المحافظين في البنك المركزي الأوروبي مزيدا من التفاصيل في اجتماعه المقبل في 21 تموز (يوليو)، عندما يخطط لرفع سعر الفائدة على الودائع للمرة الأولى منذ أكثر من عقد. لكن المستثمرون والمحللون يحذرون من أنه سيواجه تدقيقا كبيرا بشأن كيفية عمل النظام.
لماذا يفعل البنك المركزي الأوروبي ذلك؟
مثل معظم البنوك المركزية الكبرى باستثناء بنك اليابان توقف البنك المركزي الأوروبي عن شراء مزيد من السندات وخطط لرفع أسعار الفائدة لأنه يسعى لخفض التضخم من أعلى مستوياته في عدة عقود من خلال رفع تكاليف الاقتراض وبالتالي تهدئة الطلب.
لكن يتعين على البنك المركزي الأوروبي أن يتعامل مع حقيقة أن الدول الـ 19 التي تتشارك في اليورو لا تزال لديها سياسات مالية منفصلة، ما يعني أنها يمكن أن تشهد تفاوتا متزايدا في تكاليف الاقتراض، خاصة عندما يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة القلق بشأن مستويات الديون المرتفعة.
تضاعف الفارق بين عوائد السندات الألمانية لأجل عشرة أعوام وعوائد إيطاليا من نقطة مئوية واحدة قبل عام إلى نحو نقطتين مئويتين في الأسابيع الأخيرة.
هذا أقل بكثير من المستويات التي بلغت خلال أزمة الديون السيادية في 2012، عندما دفعت إيطاليا ما يقارب خمس نقاط مئوية أكثر من ألمانيا للسندات طويلة الأجل. لكن مع ارتفاع ديون إيطاليا الآن ارتفاعا أكثر من الأزمة الأخيرة، يشعر مسؤولون بالقلق من أن تجد الدولة نفسها محاصرة في دوامة غير مستدامة من ارتفاع تكاليف الديون.
يعتقد البنك المركزي الأوروبي أن الأداة الجديدة ستساعد في ضمان انتقال سياسته النقدية بالتساوي عبر الكتلة. قال ماريو سينتينو، رئيس البنك المركزي البرتغالي وعضو مجلس البنك المركزي الأوروبي: "نحتاج إلى إبقاء قنوات الانتقال مفتوحة حتى لا تكون لدينا تجزئة. نحن بحاجة إلى دعم".
قال البنك المركزي الأوروبي: "المناقشات جارية ولم يتم اتخاذ أي قرار بعد".
كيف ستجري الخطة؟
من المتوقع أن يلتزم البنك المركزي الأوروبي بشراء سندات الدول التي يعتقد أن تكاليف اقتراضها ترتفع بسبب مضاربات السوق إلى مستويات تتجاوز تلك التي تبررها الأساسيات الاقتصادية.
على عكس مخططاته السابقة حيث اشترى سندات من جميع الدول حسب حجمها، فإن الخطة الجديدة ستستهدف فقط الدول التي في أمس الحاجة إلى الدعم. قد يعوض المركزي الأوروبي التأثير التضخمي لأي مشتريات من السندات من خلال زيادة مبلغ مطابق من الودائع من البنوك.
الجزء الصعب هو اتخاذ قرار موعد التدخل. قال ونش: "ستتمثل الصعوبة في المنطقة الرمادية بين ما هو مبرر وما هو غير مبرر، وهذه هي منطقة الخطر الأخلاقي التي يتعين علينا اجتيازها".
قالت سيلفيا أرداجنا خبيرة اقتصادية في مصرف باركليز، إن تصميم الأداة الجديدة سيكون معقدا، مضيفة: "لا نتوقع أن يكشف البنك المركزي الأوروبي عن أي تفاصيل محددة حول مستوى العوائد وفروق الأسعار ومعدلات تغييراتهما التي من شأنها تحديد نظام منظم مقابل نظام فوضوي".
تمكن البنك المركزي الأوروبي هذا الشهر من إعادة استثمار عوائد السندات المستحقة بمرونة في محفظة يمتلكها تبلغ قيمتها 1.7 تريليون يورو، ما سمح له باستخدام آجال الاستحقاق الألمانية لشراء مزيد من الديون الإيطالية. لكن معظم المحللين يعتقدون أن عمليات إعادة الاستثمار هذه لن تكون كافية.
ما الضمانات؟
قالت كريستين لاجارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي، في ندوة في سينترا في البرتغال الأسبوع الماضي، إن الخطة تحتاج إلى "ضمانات كافية للحفاظ على زخم الدول الأعضاء نحو سياسة مالية سليمة".
هذا يعني أن من المحتمل أن تضطر الدول إلى تلبية شروط مالية معينة قبل أن يتمكن البنك المركزي الأوروبي من شراء مزيد من ديونها. قد يكون بعض الشروط موجودة بالفعل مثل الإصلاحات الهيكلية التي وافقت الدول على تنفيذها مقابل حصة في صندوق الاتحاد الأوروبي للتعافي من فيروس كورونا البالغ قيمته 800 مليار يورو. يمكن أيضا ربطها بقواعد ميزانية الاتحاد الأوروبي، رغم تعليقها حتى نهاية 2023.
من المرجح أن يطلب البنك المركزي الأوروبي من المفوضية الأوروبية مراقبة أي شروط مرتبطة بالأداة الجديدة. قال كارستن برزيسكي، رئيس الأبحاث الكلية في مصرف آي إن جي: "بخلاف ذلك، فإن البنك المركزي يوجه الحكومات بشأن السياسة المالية، وهذا ليس ما يريده".
وفقا للمسؤولين يدرس البنك المركزي الأوروبي أيضا شرطا إضافيا على الدول بالالتزام بخطة استدامة مالية متوسطة الأجل. يمكن أن يكون هذا جزءا من المراقبة السنوية للمفوضية لخطط الميزانيات الوطنية. قال ونش: "نحن بحاجة إلى أن تبذل الدول جهدا وتتوصل إلى خطة مالية ذات مصداقية".
من المحتمل أن تكون أي قيود مرتبطة بها أقل إرهاقا من قيود المعاملات النقدية الصريحة للبنك المركزي الأوروبي، وهو برنامج شراء سندات سابق يتطلب حزمة إنقاذ من آلية الاستقرار الأوروبية، إلى جانب متطلبات إصلاح صارمة. لم يتم استخدام المعاملات النقدية الصريحة مطلقا وتعد مشاركة آلية الاستقرار الأوروبية سامة سياسيا في دول جنوب الاتحاد الأوروبي خاصة إيطاليا.
هل ستكون الخطة محل نزاع قانونيا وسياسيا؟
نعم، على الأرجح كلاهما. كان هناك رد حذر من وزيري المالية الألماني والهولندي، اللذين أصرا على أن البنك المركزي الأوروبي يجب ألا يشجع التراخي المالي بين الدول الأعضاء أو يضل طريقه ويدخل في التمويل النقدي للحكومات، وهو ما يتعارض مع معاهدة الاتحاد الأوروبي.
لقد تعرضت مشتريات البنك المركزي الأوروبي السابقة من السندات السيادية للطعن مرارا في المحكمة الدستورية الألمانية ويتوقع معظم المحللين اتخاذ خطوات مماثلة ضد خطته الأخيرة.
حدد يواكيم ناجل رئيس البنك المركزي الألماني هذا الأسبوع عدة قيود كان يتوقع فرضها على خطة مكافحة التجزئة التي قال إنه "لا يمكن تبريرها إلا في ظروف استثنائية وفي ظل ظروف محددة بدقة".
يشعر الاقتصاديون بالقلق من أن البنك المركزي الأوروبي قد ينتهي به الأمر إلى أن يكون مقيدا بكثير من الظروف لدرجة افتقاره إلى القوة الخارقة اللازمة لاحتواء الأسواق.
قال فريدريك دوكروزيت، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي في "بكتيت ويلث مانجمنت": "إذا فعلوا أمورا في منتصف الطريق ولم يلبوا التوقعات، فسيتعين عليهم فعل مزيد في وقت لاحق، كما يحدث غالبا في منطقة اليورو".

الأكثر قراءة