صناعة التأثير .. كيف يمكن اختراق العقول المحصنة؟
أخيرا كنت أفكر بشأن ثلاث مناظرات. الأولى، عقدت في كانون الثاني (يناير) 2016، أشار فيها طالبان من جامعة هارفارد، فنيلي ماشواما وبو سيو، إلى أن هناك مبررا لفقراء العالم في الميل إلى اليسار. الثانية، في تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه، كانت بين هيلاري كلينتون ودونالد ترمب حول أيهما ينبغي أن يصبح الرئيس المقبل للولايات المتحدة. وفي الأخيرة، ناقش المؤلف ديفيد مكراني شكل الكوكب الذي نعيش عليه مع مارك سارجنت، رجل اشتهر بسبب مقاطع فيديو شعبية كان ينشرها على منصة يوتيوب تؤكد أن الأرض مسطحة.
لدي آرائي الخاصة حول الموضوعات الثلاثة، لكن ما يثير اهتمامي هنا هو الشكل وليس المحتوى. ماذا يعني الخلاف مع شخص ما؟ ما الأهداف التي تخدمها أساليب المناظرة المختلفة؟ والأهم من ذلك، إذا كنت تأمل في إقناع شخص ما بتغيير رأيه، كيف ينبغي أن تفعل ذلك؟
كان ماشواما وسيو يتناظران في منافسة رسمية، بطولة العالم، لا أقل. فازا، لكن ليس لأنهما أقنعا أي شخص بأن الثورة الماركسية مبررة. "أعتقد أنهما لم يقنعا حتى أنفسهما بالفكرة". الفوز في مناظرة يكون، إلى حد كبير، بالطريقة نفسها التي تفوز بها بمسابقة تزلج على الجليد، عبر إقناع الحكام أنك قدمت أداء مميزا، وفقا للمعايير والقواعد المعمول بها.
كان لمناظرة كلينتون وترمب قواعد أيضا، لكن ليس من النوع نفسه. يمكن القول إن ترمب انتهك تلك القواعد، لكن لو أعلن المشرفان على المناظرة، أندرسون كوبر ومارثا راداتز، أن ترمب كان غير مؤهل، وأن كلينتون كانت بذلك الرئيسة المنتخبة، لتوصل الجميع إلى أن كوبر وراداتز فقدا صوابهما. في السياسة توضع قواعد المناظرة ليتم كسرها، وفي الأغلب ما يتم كسرها عمدا من أجل التأثير المحسوب.
كانت مناقشة مكراني مع سارجنت المؤمن بنظرية الأرض المسطحة مختلفة مرة أخرى. لم يقدم مكراني أدلة أو حجة على أن الأرض شبه كروية، ولم يسخر من سارجنت على أمل قلب الجمهور ضده. بدلا من ذلك، أعطى سارجنت فرصة التحدث إلى حد كبير، وطلب منه شرح أسبابه ودعاه بطريقة مهذبة أن يفكر أكثر فيما إذا كانت الأدلة تدعم أفكاره. كان عرضا مختلفا للغاية عما قد يبدو عليه الخلاف.
إذن، ما الذي كان مكراني يحاول فعله؟ يدرس كتابه الجديد، "كيف تتغير العقول" How Minds Change، لماذا تبدو بعض وجهات النظر حول العالم محصنة بعناد ضد المنطق ولماذا يغير الناس رأيهم رغم ذلك في الظروف المناسبة. يشير مكراني إلى أن معظم الناس يؤمنون بما يؤمنون به بناء على الإشارات الاجتماعية وأن هذه طريقة معقولة لتصرف زعماء المجتمع.
تتمثل إحدى نتائج هذه القبلية في أننا نادرا ما ندرس بالتفصيل أيا من الأسباب التي تجعلنا نؤمن بأي شيء. من حيث المبدأ، ينبغي حل هذه المشكلة عبر نوع من المناظرة المنطقية القائمة على حسن النية الذي دعا إليه بو سيو في كتابه "فن الاختلاف بطريقة جيدة" The Art of Disagreeing Well. من حيث الناحية العملية، لا يتفاعل معظم الناس بشكل جيد مع تقويض معتقداتهم من قبل مناظر ماهر. بغض النظر عن مدى التحضر، يبدو الأمر كأنه هجوم مباشر وسرعان ما يتم رفع الجسر المعرفي المتحرك.
من هنا جاء نهج مكراني اللطيف للغاية، المستوحى من أساليب الحوار مثل "أسس نظرية المعرفة" و"التفحص العميق"، التي تؤدي في بعض الأحيان إلى حوارات رائعة.
يقول مكراني، خلال مقابلات التفحص العميقة، "يقنع الناس أنفسهم بموقف جديد بسلاسة لدرجة أنهم لا يتمكنون من رؤية أن آراءهم قد تغيرت".
ليس دائما، بالطبع. كانت محادثة مكراني مع سارجنت ودية ومدروسة، لكنه لم يكن لينجح في حث سارجنت على رفض نظرية الأرض المسطحة.
إذن، هل فشل مكراني؟ ربما. لكن المحادثة انتهت بنبرة الاحترام المتبادل وبقي الباب مفتوحا أمام مكراني للمحاولة مرة أخرى. لقد رأيت كثيرا من الخلافات تزداد سوءا.
يبدو أن المناظرة ينبغي أن تعمل بالطريقة التي يريدها سيو. أشاركه حبه لمبادئ المناظرة، المنطق، وتناوب الأدوار، والإصغاء وكذلك الحديث، واللاعنف. لست متفائلا بشأن نجاح ذلك في غالب الأحيان على أرض الواقع. ربما تكمن المشكلة العميقة في أن المناظرة الرسمية هي أداء، مثل مصارعة المحترفين. يختار الجمهور جانبا ويستمتع بالعرض.
لكن الناس لا يغيرون رأيهم عادة لأنهم يستمتعون بالعرض، ولا حتى بسبب العرض المبهر للمنطق. يغير الناس رأيهم لأنهم يقنعون أنفسهم. الألفة، والاستماع، ودعوة الناس إلى التوضيح يمكنها جميعا أن تفتح مساحة لحدوث الإقناع الذاتي. لكن لا يستطيع بطل العالم في المناظرة أن يغير رأيك، فقط أنت يمكنك ذلك.