التصميم المتوافق مع الإنسان
إذا نظرنا إلى ما حولنا لرأينا حياة متجددة، ثلاثية الأقطاب. القطب الأول فيها هو الطبيعة التي خلقها الله تعالى، إنها كون عجيب، نجوم وكواكب، وأرض من سهول وجبال، وبحار وأنهار، وأسرار لا تنتهي. والقطب الثاني هو الإنسان، الذي منحه الله عقلا وإدراكا، ومكنه من الإبداع والابتكار، وأعطاه القدرة على التفاعل ونقل المعرفة بين الأجيال، ووضع له احتياجات مادية، ومتطلبات نفسية، وغير ذلك. أما القطب الثالث، فهو المعطيات والأنظمة التقنية التي أوجدها الإنسان، لخدمة ذاته، عبر تفاعله مع الطبيعة، حيث اكتسب معارف كثيرة، تراكمت لديه عبر العصور، وشيد الأبنية، وأقام الطرق، وصنع القطارات والسيارات والطائرات، فضلا عن بنائه الإنترنت وإطلاقه العالم السيبراني، وتطويره الذكاء الاصطناعي، وأشياء أخرى عديدة.
ولأن معطيات القطب الثالث تعتمد على القطب الثاني، الذي ينهل من كنوز القطب الأول، فإنه من المستحب، بل من المنطق أيضا، أن تكون معطيات القطب الثالث متوافقة، ليس فقط مع متطلبات الإنسان واحتياجاته، بل مع راحته ورفاهيته أيضا. ويبرز في هذا الإطار ما يعرف بدليل العمل الذي يسعى إلى تحقيق هذا التوافق "إرغو ـ نومكس Ergonomics". ولعل من أبرز المراجع الحديثة في هذا المجال كتاب صدر باللغة الإنجليزية، في 2019، عن واحدة من أهم دور النشر العالمية. ويقول العنوان الرئيس للكتاب "العوامل البشرية ودليل العمل "إرغو ـ نومكس" HFE من أجل مجلس التعاون الخليجي GCC"، ثم يقول العنوان الفرعي "الإجراءات، والتقنيات، والممارسات".
قادت الدكتورة شذا سمان، تأليف الكتاب، عبر إشرافها على تحرير فصوله، وعلى الدراسات التطبيقية المطروحة فيه، والمرتبطة بدول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى مشاركتها في التأليف. وعلى هذا الأساس، يحمل غلاف الكتاب، إضافة إلى عنوانه، صور أعلام دول مجلس التعاون الخليجي، واسم الدكتورة شذا التي قادت العمل باقتدار. ولعل من اللافت هنا أن فصول الكتاب استندت في طرحها لمضامينه، إلى منهجية علمية مشتركة، تعزز ترابطها من جهة، وتسهل في فهم معطياتها من جهة أخرى. وتشمل هذه المنهجية أربع خطوات أساسية، هي: تقديم أسس الموضوع والمبادئ التي يستند إليها، وطرح الموضوع طبقا لمنهجية متدرجة، وبيان شؤون تطبيقه، إضافة إلى إلقاء الضوء على آفاق المستقبل.
ترتبط فصول الكتاب ودراساته التطبيقية بمضامين موضوعه الرئيس، ولعل من المفيد طرح تعريف هذا الموضوع، كما ورد في الفصل الأول من الكتاب، وهو أيضا تعريف "الهيئة العالمية لدليل العمل «الإرغو ـ نومكس» IEA". يقول التعريف "إن موضوع العوامل البشرية ودليل العمل «إرغو ـ نومكس» HFE هو العلم الخاص بفهم التفاعل بين البشر والعناصر المكونة لأي نظام، هو المهنة التي تطبق النظريات، والمبادئ، والبيانات، والأساليب في شؤون تصميم أنظمة تحقق الأفضل لكل من رفاهية الإنسان، ومستوى الأداء. ويسهم العاملون في مجالات هذا الموضوع في تصميم هذه الأنظمة، وتقييم مهماتها، وأعمالها، ومنتجاتها، وبيئتها، من أجل التوافق مع احتياجات البشر، وإمكاناتهم، وخصائصهم".
وترتبط بما سبق، ثلاث مجموعات من العوامل البشرية. فهناك عوامل "الإدراك Cognitive"، مثل الاستيعاب الفكري، والذاكرة، ومنطق السببية، وغير ذلك. وهناك العوامل "المادية Physical"، أي بنية الإنسان، وتفاصيل تكوينه. ثم هناك العوامل "التنظيمية Organization"، مثل التعاون، والشراكة، وغيرهما.
يطرح الفصل الأول من الكتاب أسس موضوع العوامل البشرية ودليل العمل «الإرغو ـ نومكس» HFE. ويقدم الفصل الثاني نظرة عامة إلى مضامين الموضوع على المستوى العام. ويهتم الفصل الثالث بالعوامل البشرية في مجال إدارة الأمان. ثم يركز الفصل الرابع على التفاعل البشري مع تقنيات المعلومات والاتصالات. ويتطرق الفصل الخامس إلى حماية أمن العالم السيبراني. ويعطي الفصل السادس إطارا عاما لتصميم إبداعي يختص بتصميم أنظمة خدمات المنتجات وتطويرها. ويهتم الفصل السابع بنواحي التصميم المتعلقة بالبيئة.
ونأتي إلى الفصل الثامن الذي يختار ميدان العناية الصحية ليبين تطبيق معطيات الموضوع في شؤون الشراكة، والأنظمة، والأجهزة الطبية، وتوسيع دائرة الخدمات. ثم يختار الفصل التاسع ميدان صناعات الطاقة لتطبيق معطيات الموضوع أيضا. ويتابع الفصل العاشر ذلك، لكن في ميدان النقل الأرضي وشؤون المرور. ويكمل الفصل الـ11 سابقه، ليركز على ميدان الفضاء. ويناقش الفصل الـ12 والأخير موضوع العوامل البشرية ودليل العمل HFE، ضمن إطار مجلس التعاون الخليجي، حيث يطرح ما يعده فرصا ضائعة، وما يجده من تطلعات واعدة.
تدعم الدراسات التطبيقية للكتاب ما ورد في فصوله، وتركز في ذلك على شؤون ترتبط بدول مجلس التعاون الخليجي. فهناك دراستان ترتبطان بشركة أرامكو في المملكة، إضافة إلى دراسة سعودية أخرى حول حاضنات التقنية. وهناك دراسة تتعلق بشركات كويتية. ثم هناك دراسة مقارنة حول إدارة الأمان في عُمان، ودراسة أخرى تهتم بالبيئة في البحرين. وهناك أيضا دراسة تركز على الخدمات الإلكترونية في دبي، وأخرى تهتم بالخدمات الصحية فيها، وثالثة تعنى بتدريب رجال المرور، إضافة إلى دراسة تتعلق بطيران الإمارات. ثم هناك دراسة جمعت بين دول المجلس في مجال الأمن السيبراني.
لا شك أن الموضوع المطروح يتمتع بفوائد كثيرة تغطي نطاقا واسعا من المجالات. ففي إطار تنفيذ رؤية المملكة 2030، يمكن للموضوع أن يسهم في كل من برنامج جودة الحياة، وبرنامج تنمية القدرات البشرية. وتستطيع الجامعات، وفي مختلف التخصصات وضع هذا الموضوع في مناهجها، كمقرر إجباري، أو ربما كمقرر حر، تبعا لتوجهاتها. ويضاف إلى ذلك حقيقة أن زيادة الاهتمام بالعوامل البشرية مطلوبة عالميا في تصميم الأنظمة الجديدة والمتجددة، فهذا الاهتمام لا يحمل رفاهية أكبر للإنسان فقط، بل فرصا أكبر لتسويق مثل هذه الأنظمة.
بعد كل ما سبق، بقي أن نعرف بصاحبة الكتاب، الدكتورة شذا سمان، التي جمعت في دراساتها الأكاديمية بين علوم الحاسب، وعلم النفس، والهندسة الصناعية؛ وجمعت في عملها المهني بين المملكة، والولايات المتحدة ، وهي أستاذة غير متفرغة في إحدى الجامعات الأمريكية. وقد كانت على رأس منظمي أول حدث شهده مركز الملك عبدالعزيز الثقافي «إثراء» في "أرامكو" في 2013.