وباء الاحتيال .. الترياق مطلوب عاجلا

وباء الاحتيال .. الترياق مطلوب عاجلا
حتى الآن استهدف المحتالون أكثر من 40 مليون بالغ في المملكة المتحدة هذا العام.

ليس هناك كثير من الأشياء التي تعد بريطانيا فيها عظيمة حقا في هذه الأيام. لكن هناك جزءا واحدا من اقتصاد التكنولوجيا المالية سريع الحركة حيث تعد المملكة المتحدة رائدة العالم بلا منازع. لسوء الحظ، إنه الاحتيال.
بلغ احتيال المجرمين على عملاء البنوك في المملكة المتحدة رقما قياسيا 1.3 مليار جنيه استرليني في 2021، وفقا للأرقام الصادرة هذا الأسبوع من الهيئة التجارية يو كيه فاينانس.
تقول الهيئة التجارية إن المملكة المتحدة تشهد "وباء من الاحتيال"، محذرة أن "العمل التعاوني" بين الشركات المالية وعمالقة الإنترنت وشركات الاتصالات هو الطريقة الوحيدة التي توفر للسلطات فرصة لاستعادة السيطرة.
قد لا تتفاجأ بهذه الأرقام. استهدف المحتالون أكثر من 40 مليون بالغ في المملكة المتحدة حتى الآن هذا العام - أي نحو ثلاثة أرباع السكان. قد يكون اكتشاف الرسائل المخادعة قبل النقر عليها هو مهمتنا الوطنية.
يثبت الاحتيال أنه نقطة عمياء محددة للحكومة الحالية. بعد عمليات النصب بالمليارات من خلال طلبات قروض احتيالية في ذروة الجائحة، اتهم رئيس الوزراء أخيرا بالتغطية على أرقام الجريمة.
شكل الاحتيال 39 في المائة من جميع الجرائم في 2020- 2021، وفقا لمكتب الإحصاء الوطني. ويزداد الأمر سوءا. فعلى الصعيد العالمي، تواجه المملكة المتحدة أسوأ مشكلة شاملة فيما يتعلق بالاحتيال عبر الإنترنت مقارنة بحجمها.
لماذا؟ إن السكان الناطقين باللغة الإنجليزية إضافة إلى الاعتماد الواسع للخدمات المصرفية عبر الإنترنت ونظام الدفع الأسرع لدينا هم "الثالوث المقدس" للعصابات الإجرامية المنظمة التي يمكنها توجيه الأموال المسروقة بسرعة عبر الحدود الدولية. هذا ما يجعل الأمر أكثر صعوبة واستنزافا لموارد وكالات مكافحة الجريمة العديدة في المملكة المتحدة أن تمسك بها.
نظرا إلى أن الجائحة دفعت مزيدا من حياتنا اليومية نحو الإنترنت، فقد أصبح من السهل جدا على هؤلاء المجرمين البارعين في التكنولوجيا استهداف الحلقة الأضعف في السلسلة - وهي البشر.
وفقا لـ"يو كيه فاينانس"، تم خداع عملاء البنوك للتفويض بدفع نحو 583 مليون جنيه استرليني في 2021 - إن هذه زيادة هائلة 39 في المائة عن العام السابق. ومع ذلك، أخشى أن تصبح أرقام 2022 أسوأ عندما تضيف أزمة تكلفة المعيشة إلى هذا المزيج.
التلاعب العاطفي هو الأداة الرئيسة لسرقة الأموال لدى المحتالين، الخوف والجشع على رأس خطة اللعب لديهم. بينما يكافح الملايين من البريطانيين للبقاء مسيطرين على أوضاعهم المالية، أو السعي إلى تحقيق عوائد أفضل على المدخرات النقدية، تزداد مع الأسف فرص استغلال اليائسين.
في 2021، كان الاحتيال في الاستثمار أحد أكبر العوامل الدافعة للارتفاع المفاجئ في المدفوعات "المصرح بها"، التي تمثل ما يقارب من ثلث إجمالي الخسائر، حيث إن الوعد بتحقيق عوائد عالية يغري الضحايا المحتملين.
تقول "يو كيه فاينانس" إن المحتالين يدركون جيدا كيف أتاحت حريات المعاشات التقاعدية لمن هم فوق 55 عاما الوصول إلى مبالغ ضخمة من المال. أضف إلى ذلك "فجوة المشورة" المقدرة بـ13 مليون شخص غير قادرين أو غير راغبين في الدفع مقابل المشورة المالية، فيصبح لديك هدف محدد.
بلغ متوسط الخسارة لكل ضحية للاحتيال الاستثماري العام الماضي أكثر من 14 ألف جنيه استرليني. عادة ما تنشأ عمليات الاحتيال هذه من المكالمات العشوائية، لكنها تتضمن أيضا إعلانات مزيفة عبر الإنترنت تعد بعوائد عالية على الاستثمارات الوهمية، والمواقع المستنسخة، ومحاولات التقرب على وسائل التواصل الاجتماعي حتى الرسائل ذات الطراز القديم من خلال البريد.
في جميع الحالات، تكون "الفرصة" محددة المدة، وسيتعرض الضحايا للضغط للتصرف بسرعة أو الخسارة. في بعض الأحيان يتم إقناع الضحايا بوضع مزيد من الأموال بعد رؤية "عائد" على استثمارهم الأولي.
يأتي الارتفاع الهائل الآخر من حالات انتحال الهوية. ومن المفارقة أن هذه غالبا تعود على مخاوفنا من الوقوع ضحية للمحتالين عبر الإنترنت.
في 2021، فقد نحو 137 مليون جنيه استرليني في عمليات الاحتيال حيث أقنع المجرمون الذين تظاهروا بأنهم موظفون في البنك أو الشرطة العملاء بتحويل الأموال إلى ما يسمى بـ"الحسابات الآمنة" - بزيادة 51 في المائة في عام واحد.
وفقدت 77 مليون جنيه استرليني أخرى لمصلحة محتالين تظاهروا بأنهم موظفون في شركات المرافق العامة، أو هيئة الإيرادات والجمارك الملكية، أو خدمة الصحة الوطنية أو غيرها من الهيئات الرسمية باستخدام التهديد بفرض غرامات وهمية أو ديون مستحقة لاستخراج المدفوعات.
قد تعتقد أنك أذكى من الوقوع في هذا، لكن" يو كيه فاينانس" تحذر من أن المجرمين يبحثون عن أهدافهم باستخدام المعلومات التي تم جمعها من الملفات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتهاكات البيانات وعمليات الاحتيال السابقة.
هذا صحيح - فهذه الرسائل النصية المزيفة التي تحثنا على التسجيل للحصول على برامج المساعدة في الطاقة، أو الحصول على أموال من التسوق أو الدفع مقابل توصيل الطرود الضائعة، تمنح المجرمين بيانات كافية لكسب ثقتنا - ثم نهبنا.
لمنح البنوك وشركات البطاقات بعض الفضل، فإن الجمع بين الخوارزميات والإبداع "كمبادرة البروتوكول المصرفي بين الشرطة وموظفي الخدمات المصرفية في الخطوط الأمامية" يعني أنهم تمكنوا من اكتشاف ومنع 1.4 مليار جنيه استرليني من الاحتيال العام الماضي.
تعتقد "يو كيه فاينانس" أن مشروع قانون الجرائم الاقتصادية المعلن في خطاب الملكة يمكن أن يساعد أيضا من خلال منح البنوك القدرة على "إبطاء بعض المدفوعات السريعة" في حالات الاشتباه في الاحتيال.
لكن الطريقة التي تعامل بها البنوك ضحايا الجريمة ليست جيدة بما يكفي. اشترك معظمها في قانون "عدم وجود خطأ" في 2019 متعهدين برد أموال "الضحايا الأبرياء" للاحتيال - وهو حكم يبدو أن البعض غير قادر على القيام به.
من أصل 583 مليون جنيه استرليني خسرت لمصلحة الاحتيال المصرح به في العام الماضي، تم تسديد نحو 271 مليون جنيه استرليني - 46 في المائة - كتعويض للضحايا بموجب القانون.
إذا قام البنك الذي تتعامل معه بصدك، فيمكن للمستهلكين تصعيد الشكاوى إلى خدمة ديوان المظالم المالية، التي أبلغت هذا الأسبوع عن زيادة سنوية 20 في المائة في هذه الحالات.
في الوقت الحالي، يرفض ديوان المظالم قرارات البنوك بعدم رد الأموال في نحو 75 في المائة من القضايا - وهو رقم مرتفع بشكل غير مقبول - لكن التراكم الضخم لقضايا الاحتيال يعني أن الأمر يستغرق تسعة أشهر حتى تصل إلى الشكاوى.
يمكن لبرنامج "واجب المستهلك" لسلطة السلوك المالي وتعزيز تشريعات المدفوعات أن يساعد في المستقبل. ولكن لماذا ينبغي أن تكون البنوك هي الوحيدة التي تقع تحت وطأة خسائر الاحتيال؟
تقول كيتي ووروبيك، المديرة المنتدبة للجرائم الاقتصادية في يو كيه فاينانس، "تعد المنصات الرئيسة على الإنترنت - محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي ومواقع التسوق - بوابة لجميع الأنشطة عبر الإنترنت تقريبا ويجب أن توفر حاجزا أمام الاحتيال وليس قناة".
سيفرض مشروع قانون الأمان المقبل عبر الإنترنت واجبا قانونيا على أكبر المنصات لمراقبة الإعلانات المزيفة، لكن إلى أن تجبر مواقع التواصل الاجتماعي على مشاركة التكلفة الضخمة لتعويض الضحايا، أشك في أن يكون لذلك تأثير كبير.
تقدم المجموعات الأخرى التي تقوم بحملات، ومنها مؤسسة السوق الاجتماعية، حجة قوية لإصلاح كيفية معالجة الاحتيال وزيادة موارد الشرطة.
مع ذلك، مارك شيلفورد، مفوض الشرطة الرئيس للجرائم الاقتصادية والإلكترونية، أخبر "فاينانشيال تايمز" أخيرا أن الطريقة الأكثر فاعلية من حيث التكلفة لمكافحة الاحتيال هي من خلال التعليم. لديه وجهة نظر صحيحة.
إنني لا أتحدث عن الرسائل الكثيفة المتزايدة التي تعرضها التطبيقات المصرفية عند تحويل الأموال، لكن عن حملة توعية عامة مناسبة مثل إعلان تأمين حماية المدفوعات الرائعة من سلطة السلوك المالي التي تضم أرنولد شوارزنيجر.
إذا لم يتمكن آرني من وقف المحتالين، فلا أعرف من يمكنه ذلك. ينبغي إجبار منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث على وضع الإعلانات مجانا.

الأكثر قراءة