البودكاست يهدد الفن السابع أم يتكامل معه؟
أتاح ازدهار سوق البودكاست والكتب المسموعة تحرر الصوت من إطار الصورة، والاستقلال عن السينما التي كان دائما يعد فيها من الدرجة الثانية، وتشكل المسلسلات الصوتية في نظر البعض خطرا على الفن السابع في حين يرى فيها آخرون فرصة له.
في وسط غرفة مظلمة مستطيلة الشكل وعازلة كليا للصوت، جلس شخصان وجها لوجه أمام ميكروفون، وقاطعهما رجل ثالث على كرسي بذراعين قائلا، "سنعيد التسجيل مجددا، لكن بطريقة تبدو مقروءة أقل هذه المرة... أكشن!".
هكذا تجري الأمور في جلسة تسجيل الرواية الصوتية "باتمان أنبوريد". ووفرت منصة "سبوتيفاي" هذا الإنتاج الضخم في الربيع في تسع دول، وتجرأ المسلسل الصوتي على تحويل المناخ ذي الطابع السينمائي جدا لمغامرات البطل الخارق إلى عمل صوتي دون صورة.
ليست المسلسلات الصوتية بجديدة، إذ سبق أن حققت أعمال منها "كولز" من "كانال +" و"لامبالواييه" من "سبوتيفاي" و"مون برانس آ لا مير" من "أرتيه" نجاحا واسعا، لكن إنتاجها تسارع في الأشهر الأخيرة وأصبح أكثر احترافية وتنوعا ليطول كل فئات الجمهور، إذ شمل مثلا حكايات للأطفال وأعمال تشويق أو أخرى كوميدية، وسوى ذلك.
وكانت رئيسة "أوديبل فرانس" المملوكة لمجموعة "أمازون" العملاقة آينارا إيباس لاحظت في تصريح لوكالة "فرانس برس" لدى إطلاق العمل الصوتي الجديد "ستيكس" في شباط (فبراير) الماضي أن "الزيادة الكبيرة للإقبال على الاستماع إلى المحتويات الصوتية كانت بدأت أصلا إلى حد كبير، لكنها تسارعت بفعل تدابير الحجر" خلال الجائحة. وأضافت "أعتقد أننا احتجنا أكثر من أي وقت مضى وما زلنا نحتاج إلى هذه الفقاعات، إلى هذه المساحة الحميمة التي تتيح لنا الهروب" من الواقع.
ولكن هل تشكل هذه المسلسلات الصوتية خطرا على الفن السابع في وقت لم تستعد دور السينما حجم الإقبال الجماهيري الذي كانت تسجله قبل كوفيد - 19؟ ورأت المنتجة ليا مارشيتي أن الإنتاجات الصوتية "تتكامل" مع الفن السابع وأن "الاستماع إلى مسلسل صوتي لا يحول دون الذهاب إلى السينما". وشاركت مارشيتي التي انغمست في هذا العالم منذ أعوام في إخراج مسلسل "بون نوي ما دوس" الذي بات متوافرا اعتبارا من 23 حزيران (يونيو)، مع شارل دو سيا.
وبالمنطق نفسه تحدث النجم الصاعد للسينما الفرنسية دالي بن صالح الذي أدى بصوته شخصية "الرجل الوطواط" وشارك أيضا في "ستيكس"، إذ رأى أن المسلسلات الصوتية "منصة جديدة وطريقة جديدة للترفيه عن الناس ورواية القصص الجميلة".
وقال دانيال ديزيه أحد أبرز مهندسي الصوت في فرنسا إن "الصوت كان دائما يعد عنصرا مكملا ضروريا للصورة" منذ ظهور السينما. أما اليوم فأحدثت المسلسلات الصوتية ثورة صغيرة، إذ بات الصوت يستهلك وحده.
ولاحظ ديزيه أن "الصوت يعيد الجميع إلى ذاكرتهم الشخصية، وهو ما لا تفعله الصورة". وأضاف "إنه لحظة مع النفس في مواجهة الحمل الصوتي الزائد في العالم".
وأشارت أينارا إيباس إلى أن الأجهزة المتصلة بالإنترنت التي يسهل استخدامها كالهاتف والجهاز اللوحي تتيح تلبية الاحتياجات خصوصا "للأشخاص الذين ابتعدوا عن المطالعة الورقية أو الرقمية ومعظمهم من الرجال الذين تراوح أعمارهم بين 18 و35 عاما إذ يساعدهم الصوت على معاودة الاطلاع على هذا النوع من المحتوى".