شح التمويل يطارد شركات التكنولوجيا الحيوية

شح التمويل يطارد شركات التكنولوجيا الحيوية

مع انخفاض السيولة النقدية في شركة جينوسيا في 2018، رمى المستثمرون على شركة التكنولوجيا الحيوية الأمريكية طوق نجاة سمح لها بتحويل التركيز من تطوير لقاح لمرض الهربس التناسلي إلى استهداف علاجات السرطان. لم تكن هناك شبكة أمان من هذا القبيل في أيار (مايو)، عندما أجبرت أزمة نقدية أخرى المجموعة التي يبلغ عمرها 16 عاما على الانهيار.
قالت ديانا جريبوش، محللة في مصرف إس في بي ليرينك، "قبل عام، ربما كان بإمكان جينوسيا جمع أموال كافية لتبقى عائمة حتى تتمكن من إنهاء التجارب على أدوية السرطان المخصصة". لكن الآن، " تغير العالم بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا الحيوية".
يصور مصير "جينوسيا "النفق المظلم الذي يواجه قطاع التكنولوجيا الحيوية المعتاد على أسعار فائدة منخفضة بشكل قياسي، وأسعار أسهم صاعدة في الأسواق المالية، ومستثمرين أحرار. في حين وصل تصدع عصر الأموال السهلة كل قطاع تقريبا، فإن القليل منها منكشف مثل شركات الأدوية في المراحل المبكرة التي تعتمد على الأسواق المالية لتمويل دورات التطوير الطويلة والمحفوفة بالمخاطر.
يتم تداول ما يقارب 200 شركة من شركات التكنولوجيا الحيوية المدرجة على مستوى العالم بأقل من قيمة احتياطياتها النقدية، وفقا لبنك توريا كابيتال الاستثماري، وتعقد الآن صفقات قاسية للغاية للنجاة مع تعمق شح التمويل في الأسواق العامة.
تم إدراج تسع شركات فقط في مجال التكنولوجيا الحيوية في الولايات المتحدة هذا العام، حيث جمعت ما مجموعه مليار دولار، وفقا للايف ساي كابيتال، وهو بنك استثماري متخصص في تمويل الشركات. تم إدراج 60 شركة تقريبا في الفترة نفسها من العام الماضي، واستفادت من المستثمرين بما يصل إلى 7.4 مليار دولار.
قال تيم أوبلر، المدير الإداري لبنك توريا، "بالنسبة إلى كثير من الرؤساء التنفيذيين في الشركات العامة في مجال التكنولوجيا الحيوية الذين يتطلعون إلى جمع رأس المال، قد يشعرون كأنهم عالقون في الصحراء الكبرى، حيث لا يمكنهم العثور على الأموال".
كانت شركة بيلايت بايو في سان دييغو واحدة من الشركات القليلة التي نجحت في طرح أسهمها. جمعت الشركة، التي تطور عقاقير تستهدف الأمراض المرتبطة بالعمر مثل السكري، 41 مليون دولار في نيسان (أبريل) وارتفع سهمها بعد أن سرعت الجهات التنظيمية الأمريكية تطوير أحد علاجاتها. لكن الرئيس التنفيذي توم لين قال إنه كانت لديه الثقة للمضي قدما في الإدراج فقط لأن أكبر مساهم فيها كان مستعدا لدعمها.
يقول لين، "كنا في الواقع قلقين للغاية. حاول المصرفيون تهيئتنا، وأعلمونا بأننا قد لا نحصل على عدد كاف من المستثمرين أو سعر جيد. لكن الشيء الأكثر أهمية هو أن مساهمينا الحاليين واثقون جدا من خط إنتاجنا، حيث شاركوا في الطرح العام وأيضا ضخوا استثمارات قدرها 15 مليون دولار، وهذا أعطى الثقة للمستثمرين الجدد".
أما بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا الحيوية المدرجة وغير القادرة على الاعتماد على مستثمريها الحاليين، فإن الخيارات المتبقية أمامها تشمل زيادة حقوق المساهمين بخصومات كبيرة، والحصول على قروض محفوفة بالمخاطر، وتحقيق الدخل من رسوم تراخيص الملكية الفكرية المستقبلية، والشراكة مع شركات الأدوية الكبرى أو أن تشتريها هذه الشركات.
قال مارك تشاريست، مدير المحفظة في لايف ساي فند مانيجمينت، "ما رأيناه في عمليات المتابعة القليلة التي يتم إنجازها هو شروط تسعير صارمة، وعودة صفقات الضمانات والتقييمات المنخفضة".
عرضت أكثر من نصف الشركات المدرجة التي أكملت عمليات المتابعة لجمع التمويل خلال هذا الربع حوافز للمستثمرين من أجل دعم صفقاتها.
فيما تحولت شركات أخرى إلى مقدمي الديون على الرغم من افتقارها إلى الإيرادات اللازمة لسداد القروض. حصلت شركة مادريجال فارماسوتيكالز الشهر الماضي على تسهيلات للدين وصلت قيمتها إلى 250 مليون دولار للمساعدة على التسويق لعقارها المرشح الأكثر تطورا وتمويل برنامج تطوير إكلينيكي لعقار آخر.
التغيير المفاجئ في جو التمويل لا يخلو من بعض الفائزين، منها شركات مثل رويالتي فارما، التي تقدم قروضا لشركات التكنولوجيا الحيوية مقابل حصة من الإيرادات المستقبلية.
بينما تراجع مؤشر ناسداك للتكنولوجيا الحيوية 26 في المائة هذا العام وانخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأوسع 23 في المائة، بقيت أسهم شركة رويالتي ثابتة. في الشهر الماضي، رفعت "رويالتي" المبلغ الذي تعتزم توزيعه سنويا على مدى الأعوام الخمسة المقبلة من 1.5 مليار دولار إلى 2.5 مليار دولار، وذلك يرجع بصورة جزئية للاستفادة من التوقعات المتدهورة لكثير من شركات التكنولوجيا الحيوية.
لكن بالنسبة إلى بعض الشركات، حتى خيارات التمويل الأكثر تكلفة ستكون صعبة، ومن المرجح أن مزيدا من الشركات ستلحق بمصير "جينوسيا" في الانهيار.
قال تشاريست من لايف ساي، "إن جودة شركات التكنولوجيا الحيوية في الأسواق العامة انخفضت وذلك يرجع بشكل جزئي إلى أسواق رأس المال المضطربة" خلال العامين الماضيين.
أصبحت كثير من الشركات عامة قبل أن تصل إلى مراحل التطوير الرئيسة التي من شأنها أن تعطي مؤشرا أوضح عن فرصها في تحقيق النجاح النهائي، ما أدى إلى سلسلة من القراءات السريرية المخيبة للآمال التي جعلت جمع الأموال أكثر صعوبة.
أضاف تشاريست، "إذا مولت أفضل خمس أفكار موجودة، من المحتمل أن يصبح أداء الأغلبية جيدا. وإذا مولت 500 فكرة، فإن عدد الأضعف أداء سيكون أعلى بكثير".
عانت شركات التكنولوجيا الحيوية فترات اختبار خلال الصعود الذي أعقب الأزمة المالية في 2008. دخل مؤشر إس آند بي للتكنولوجيا الحيوية في عملية تصحيح - بانخفاض بلغ أكثر من 10 في المائة عن المستويات المرتفعة الأخيرة - في 2015 و2018، لكن المديرين التنفيذيين في الصناعة يقولون إن هذا التباطؤ هو أكثر حدة مما يبدو عليه.
قال بيير جاكيه، المدير الإداري لقسم الرعاية الصحية في شركة إل إي كيه الاستشارية، "إن هذا أسوأ مستوى من المحن رأيته في الصناعة على مدار الـ25 عاما الماضية".
أضاف أيضا، "إنها عاصفة عارمة ومن المحتمل أن تعيد عشرات الشركات الأموال إلى المستثمرين. إني لا أرى أي مخرج بديل لبعض من هذه الشركات".
في الأسبوع الماضي، قدمت مجموعة زوسانو في كاليفورنيا، التي تعمل على تطوير لاصق علاجي للصداع النصفي، طلب للحماية من الإفلاس. في إشارة أخرى على هذه الضغوط، دعا المساهم الأكبر في شركة فورت بايوسايانسيز، التي تطور عقاقير تستهدف الأمراض الناتجة عن المناعة الذاتية مثل الثعلبة، الإدارة إلى حل الشركة وإعادة أمواله.
أما شركات الأدوية التي ما زالت في المراحل المبكرة فهي معرضة بشكل خاص لاضطراب السوق نظرا إلى وجود القليل من الطرق السهلة أمامها لتوليد الإيرادات أو خفض التكاليف أثناء إجراء التجارب السريرية باهظة التكلفة. أيضا تقدم المشكلات في القطاع لمحة عن الضغوط التي قد تواجه مزيدا من الشركات إذا لم تخف التوترات.
انقسم كبار المصرفيين والمحامين حول ما إذا كانت أسواق الأسهم ستهدأ بما يكفي لتعود الطروحات العامة بعدد كبير هذا العام، لكن حتى أكثر المتفائلين منهم لا يتوقعون رؤية زيادة كبيرة في النشاط قبل فترة منتصف الصيف الهادئة في العادة.
"جزءا من المناقشة(مع الشركات المرشحة للطرح العام الآن هو ما هو حلكم للقرض التجسيري إذا لم يسير الجدول الزمني للطرح العام؟"، كما قال أحد كبار محامي أسواق رأس المال. أضاف، "قبل عام، إذا قالت إحدى الشركات إنها تريد أن يتم إدراجها الآن، فسيكون بإمكانها أن تصبح شركة عامة في غضون ثلاثة إلى ستة أشهر. الآن عليك أن تسأل "كم يبلغ قرضكم التجسيري للعام المقبل؟".
بينما تعد الظروف أقل إرهاقا إلى حد ما بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا الحيوية التي لم يتم طرحها، ما يمنحها على الأقل خيار محاولة الاستفادة من صناعة الأسهم الخاصة التي لا تزال مليئة بالأموال. تأكدت هذه الرغبة بعد شراء شركة أبولو مانيجمينت للاستحواذ الشهر الماضي لحصة في سوفينوفا بارتنرز، شركة أوروبية استثمارية متخصصة في علوم الحياة.
يقول أوبلر من توريا، "من المدهش للغاية أن بلاكستون وكارلايل وأبولو جميعهم استثمروا في شركات التكنولوجيا الحيوية وأنا متأكد من أن مزيدا من ذلك سيأتي في المستقبل. إن هذا يعكس حقا تعميم شركات التكنولوجيا الحيوية كفئة أصول".
وفقا لبنك لايف ساي، كانت هناك نحو 120 عملية خاصة لجمع الأموال بقيمة تسعة مليارات دولار هذا العام، بانخفاض نحو 30 في المائة عن الفترة نفسها من العام الماضي.
جمعت شركة مينيرالز ثيرابيوتيكس، مقرها في فيلادلفيا، هذا الشهر 118 مليون دولار، بقيادة شركة الأسهم الخاصة الأوروبية أندريا بارتنرز وشركة آر أيه كابيتال لإدارة الاستثمارات، مقرها بوسطن. تعمل شركة التكنولوجيا الحيوية على تطوير علاج جديد لارتفاع ضغط الدم، وهي حالة تصيب نحو نصف البالغين في الولايات المتحدة، ما يعني أن العلاج المبتكر قد يحقق نجاحا قويا.
قال جاكيه من إل إي كيه، "لا يزال هناك تمويل متاح للشركات ذات الأصول الجيدة، أو التي تستطيع توليد تدفق أخبار قصير الأجل، أو التي يتم تمويلها بشكل جيد بما يكفي كي تتمكن من الوصول إلى حالة التخلص من المخاطر التالية".
أيضا استطاعت بعض الشركات لفت انتباه شركات الأدوية الكبرى، التي يقدر مصرف إس في بي ليرينك أن لديها ما يصل إلى 500 مليار دولار تستطيع توزيعها على عمليات الاندماج والاستحواذ بسبب مكاسبها غير المتوقعة من جائحة فيروس كورونا.
وافقت شركة بريستول مايرز سكويب في وقت سابق من هذا الشهر على شراء شركة تيرنينج بوينت ثيرابيوتيكس، التي تعمل على تطوير علاج جديد للسرطان، مقابل 4.1 مليار دولار.
مع ذلك، تم ربط معظم الصفقات بخطوط تصنيع الأدوية الواعدة بدلا من إنقاذ الشركات الناشئة التي تعاني ضائقة مالية. هناك القليل من الأدلة على أن الانخفاض الحاد في التقييمات سيعيد عمليات الاندماج والاستحواذ في قطاع انخفض فيه عقد الصفقات في 2021 إلى أدنى مستوى منذ عقد من الزمن.
"نحن نتبع العلم داء"، كما قال إلياف بار، الرئيس العالمي للتطوير الإكلينيكي وكبير المسؤولين الطبيين في شركة ميرك، مشيرا إلى أن جاذبية أي هدف تكمن في الدواء أو العلاج الذي تعمل الشركة على تطويره، وليس الانهيار في سعر سهمها.
قال بار أيضا، "إذا نزلت إلى الطابق السفلي للمنتجات التي تباع بأسعار مخفضة، متجها إلى رف "التخفيضات" لكي تحصل على خصم قدره 50 في المائة - فقد يكون هناك سبب لذلك. فقط لأن سعرها رخيص لا يعني أن ذلك جيد للشركة".

الأكثر قراءة