المهارات.. العملة الجديدة
من المفترض أن يكون تنزيل صورة من تطبيق "واتساب" وإرسالها عبر البريد الإلكتروني مهمة سهلة. لكن عندما أرسل أحد العملاء صورا لمشروع إلى فرع من فروع شركة مواد البناء ترافيس بيركنز، واجه ستة موظفين صعوبة في نقل الملف من تطبيق وسائل التواصل الاجتماعي لمدة ساعتين.
يتذكر آندي راينر، رئيس التدريب المهني في الشركة قائلا، "في النهاية، انتظروا زميلا يبلغ من العمر 22 عاما. كلف ذلك ستة أشخاص وساعتين من وقت العمل، الأمر يتعلق بأخذ وقت أطول لإنجاز المهام التي يمكن إنجازها بشكل أسرع وأكثر كفاءة".
قد تعد التكنولوجيا بتحسين كفاءة إجراءات العمل، لكن تجربة "ترافيس بيركنز" تظهر أن نقص المهارات من جميع الأنواع يسبب مشكلات للشركات والعمال والاقتصاد.
تقول آنا توماس، المؤسسة المشاركة لمعهد مستقبل العمل، وهي منظمة بحثية، "يحدث تحول العمل ويتسارع بسرعة كبيرة. تتعرض القوى العاملة العالمية لضغوط مستمرة من أجل اكتساب المهارات وصقلها، وهناك إجماع واسع على أن أصحاب العمل يحتاجون إلى أشخاص يتمتعون بمستويات أعلى من المهارة".
الوظائف سريعة التطور في قطاعات مثل التكنولوجيا والصناعات الخضراء، إلى جانب ظهور الأتمتة، تعني أن المهارات المطلوبة في القوى العاملة قد تغيرت. في الوقت نفسه، أسهم انخفاض الهجرة في المملكة المتحدة - الناجم جزئيا عن جائحة كوفيد- 19 - وما يسمى بالاستقالة الكبرى، في الأغلب من كبار السن الذين يتركون القوة العاملة، في سوق عمل ضيقة.
لكن، في بعض الأحيان، كما اكتشفت "ترافيس بيركنز"، فإن النقص اليومي في المعرفة يضعف كفاءة الشركات.
وفقا لفيوتشر دوت ناو، وهي ائتلاف صناعي، يفتقر نحو 11.8 مليون عامل في المملكة المتحدة إلى المهارات الرقمية الأساسية. قد يواجه هذا الوسط المخفي "بين الاستبعاد الرقمي والمهارات الرقمية المتقدمة"، صعوبة في تحديث إعدادات الخصوصية عبر الإنترنت، أو الوصول إلى معلومات الراتب أو النفقات، أو استخدام الأدوات الرقمية التعاونية مثل محرر مستندات جوجل. يؤدي ذلك إلى إبطائهم في العمل، ما يؤثر في الشركة بأكملها.
تقول هولي شات، رئيسة العمليات في فيوتشر دوت ناو، "في كثير من الأحيان، لا يتحدث الناس عن فجوة المهارات هذه - إنهم يكافحون طوال الوقت".
الفجوة ليست فقط في الكفاءة الرقمية. في إنجلترا وحدها، لدى تسعة ملايين بالغ في سن العمل مهارات أساسية منخفضة في محو الأمية أو الحساب، بينما يواجه خمسة ملايين صعوبة في كليهما.
يقول معهد التعلم والعمل، مركز أبحاث، إن تحسين مهارات هؤلاء الأفراد سيغطي تكاليفه عدة مرات، لأن استثمار كل جنيه استرليني في المهارات الأساسية يولد عائدا اجتماعيا قدره 17 جنيها استرلينيا. يستشهد المعهد بالبحث الذي أجرته الحكومة الذي يظهر أن معدل التوظيف لمتلقي التعلم الأساس يزداد سبع نقاط مئوية.
مع ذلك، انخفضت ميزانية تعليم الكبار في إنجلترا بشكل حاد خلال الأعوام العشرة الماضية. أشارت مذكرة إحاطة حديثة من معهد الدراسات المالية، مركز أبحاث، إلى أن الانخفاض في الإنفاق على التعليم القائم على الفصول الدراسية بلغ نحو 50 في المائة.
في الوقت نفسه، يشكو أرباب العمل أيضا من نقص المهارات الشخصية - التواصل والقيادة، مثلا - التي يمكن تطبيقها على مجموعة واسعة من الوظائف ومساعدة الأفراد على التعلم طوال حياتهم.
في تقرير صدر العام الماضي، دعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى ثقافة التعلم مدى الحياة التي تعتمد جزئيا على قدرة الناس على "تعلم كيفية التعلم" وإشراك "قدرتهم البشرية على الإبداع".
أظهر تحليل المنظمة لبيانات الوظائف الشاغرة عبر الإنترنت أن المهارات الشاملة - مثل التواصل والعمل الجماعي والتنظيم - كانت من بين المهارات الأكثر طلبا من أصحاب العمل. تندرج أيضا كثير من المهارات المعرفية - بما في ذلك القدرات التحليلية والرقمية وحل المشكلات - ضمن هذه الفئة.
هذا لا يعني أن الخبرة الفنية المتخصصة ليست مطلوبة بشدة. في المملكة المتحدة، أظهرت الأرقام الصادرة عن مكتب الإحصاءات الوطنية المستندة إلى إعلانات الوظائف عبر الإنترنت أن عدد الوظائف الشاغرة ارتفع إلى مستوى قياسي بلغ 1.3 مليون في الفترة من آذار (مارس) إلى أيار (مايو) 2022 - بزيادة قدرها 500 ألف مقارنة بمستويات ما قبل جائحة فيروس كورونا. كان أكبر ارتفاع في عدد الوظائف الشاغرة في القطاعات المهنية والعلمية والفنية، حيث زادت أكثر من 80 في المائة، وفي خدمات الإقامة والطعام، حيث وصلت الوظائف الشاغرة إلى أكثر من الضعف.
يعيق النقص في المهارات الجهود المبذولة لحل أكبر مشكلات عصرنا. أفادت مجموعة الضغط "ورلد سكيلز" أن واحدا من كل خمسة أرباب عمل في المملكة المتحدة من الذين يحتاجون إلى مهارات خضراء "مراعية للبيئة" يتوقع وجود عجز في مؤسسته.
من بين تلك المهارات الخضراء الشحيحة، يرتبط أكثر من نصفها بالعلوم والتكنولوجيا، بما في ذلك الخبرة في التعديل التحديثي للمعدات أو النقل منخفض الكربون. لكن أرباب العمل يقولون إن مهارات التفكير الابتكاري أو إدارة التغيير مفقودة أيضا.
يقول نيل بنتلي-جوكمان، الرئيس التنفيذي لورلد سكيلز في المملكة المتحدة، "أبلغ أرباب العمل عن تزايد الطلب على المهارات الخضراء والشباب يريدون وظائف من شأنها أن تساعد الكوكب. نحن بحاجة إلى تسهيل مراعاة البيئة من خلال الاستفادة من هذه الإمكانات الكامنة".
من جهته، يقول ستيفن إيفانز، مدير معهد التعلم والعمل، إن الطلب على الخبرة المتخصصة يؤكد على قيمة المهارات القابلة للنقل. قبل عشرة أعوام، كثير من الوظائف التي تتطلب الآن مهارات عالية في برمجة الكمبيوتر، مثلا، لم تكن موجودة.
"هناك وجهة نظر مفادها أنه يمكننا التنبؤ بما يحمله المستقبل ونعتقد أنه يمكننا منح الناس هذه المهارات، لكن الحقيقة أننا لا نعرف. نحن بحاجة إلى تشجيع المرونة والقدرة على التكيف حسب الظروف المجهولة المعلومة"، حسبما يقول إيفانز.
مع ذلك، يحذر بعض الخبراء من اعتبار المهارات القابلة للنقل حلا سحريا.
يقول نيكولاس بياشود، رئيس التوعية في مؤسسة فاركي الخيرية التعليمية، "هناك كثير من الضجة. كل هذه الأمور تبدو رائعة، ولكن ماذا تعني في الواقع؟ يجب أن نبذل مزيدا من الجهد في التحدث إلى أرباب العمل الكبار ومعرفة المهارات التي يحتاجون إليها بالفعل".
أيضا يحذر من أن "تعلم كيفية التعلم" هو شيء يحتاج إلى أن يتم تدريسه عالميا - في حين أن الخريجين حاليا هم الأكثر مهارة في مثل هذه المهارات القابلة للنقل، ما يمنحهم الأفضلية في سوق العمل.
يقول بياشود، "إنهم سيستمرون في المضي قدما، وسيستمرون في المنافسة. أما الذين ليس لديهم شهادة من المرجح أن يتخلفوا أكثر عن الركب."
الحاجة إلى اكتساب المهارات وصقلها أصبحت الآن جزءا لا مفر منه من حياة الناس العملية، ويشجع راينر الموظفين الأكبر سنا في "ترافيس بيركنز" على التعلم من الزملاء الأصغر سنا - الذين يبدو أنهم يقدرون التعلم أكثر من أي وقت مضى.
تقول ليندا كاي، الرئيسة العالمية للتعلم والتطوير في منصة لينكد إن للتوظيف، إن أبحاثها تشير إلى أن الأشخاص من الجيل زد - الذين ولدوا بين أواخر التسعينيات وأوائل 2010 - يعدون القدرة على تعلم مهارات جديدة هي الأولوية الثانية في العمل، بعد التوافق مع قيمهم الشخصية.
على عكس الأجيال السابقة، التي أعطت الأجر أكبر قيمة، تقول إن التركيز على المهارات دفع المكافآت إلى المرتبة الثالثة في قائمة أولويات الشباب.
تقول كاي، "المهارات هي العملة الجديدة. أكبر نصيحة أقدمها للشركات هي التركيز على المهارات أولا - إنها تحول كبير في طريقة التفكير".