التفكير الاقتصادي عند منعطف حاسم
شجعت أسعار الطاقة المرتفعة شكلا آخر من أشكال التضخم، وهذا الشكل بلاغي. فقد أصبحت المقارنات بين تحدياتنا الحالية والصراعات الاقتصادية والسياسية في العالم في سبعينيات القرن الماضي وفيرة لدرجة أنها عديمة القيمة الآن.
المقارنات مناسبة بقدر معين. تضاعفت أسعار النفط أربع مرات في عام 1973 وتضاعفت مرة أخرى في عام 1979. وبينما تضاعفت "فقط" في العامين الماضيين، قفزت أسعار الغاز الأوروبية من خمسة إلى عشرة أضعاف منذ ما قبل الجائحة. والتضخم الإجمالي هو الأعلى منذ عقود، ويخشى كثيرون أننا نواجه تكرارا لمحنة سبعينيات القرن الماضي من الركود التضخمي.
تنتهي أوجه التشابه بآثار على التفكير السياسي والاقتصادي. فعندما أدت اضطرابات السبعينيات إلى تشويه سمعة الاقتصادات المختلطة في حقبة ما بعد الحرب، مهدت الطريق لتحولات تحرير السوق التي قادتها مارجريت تاتشر ورونالد ريجان.
في ذلك الوقت، أنتج الفشل الاقتصادي شيئا يقارب الإجماع على أن "الحكومة هي المشكلة"، على حد تعبير ريجان. لكن اليوم يحدث العكس في هذه الناحية. أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم التوترات في علاقات العمل كلها عوامل تؤدي إلى المناداة بتدخل الحكومة لإنقاذ الوضع. الاضطرابات الاقتصادية التي أدت في سبعينيات القرن الماضي إلى انسحاب الدولة، تجرها اليوم إلى منطقة ظلت على مدى نصف قرن تقريبا، تخشى الدخول فيها.
فلسفة الحكم الصديقة للسوق التي انتصرت في ثمانينيات القرن الماضي أصبحت في موقف دفاعي الآن. الأسعار التي تتولى أمرها الحكومة هي الآن العرف السائد، بدءا من وقود السيارات والتدفئة إلى الكهرباء، وبالطبع انبعاثات الكربون. ويبدو أن الضغط من أجل فرض ضرائب غير متوقعة على شركات الوقود الأحفوري لا يقاوم، والحكومات في جميع أنحاء أوروبا تحفر بعمق في خزائنها لمساعدة الأسر التي تعاني كثيرا من الضغوط.
حتى المدفوعات النقدية المباشرة للأسر، مع قيود قليلة أو دون قيود، أصبحت رائجة، في صدى لتجارب أمريكا الشمالية مع الدخل الأساسي الشامل في السبعينيات.
وهذا يثير سؤالين. لماذا هذا الاختلاف في العواقب السياسية للأزمات الاقتصادية التي تبدو متشابهة؟ وهل تحول اليوم إلى دولة أكثر تدخلا دائم أم أمر عابر؟
أبسط إجابة على السؤال الأول هي أنه عندما يشعر الناس بأن الأشياء لا تطاق، يلومون الوضع الراهن ويطالبون بالتغيير. في السبعينيات كان ذلك يعني رفع الضوابط التنظيمية عن اقتصاد جامد. أما اليوم فقد يعني إعادة تنظيم اقتصاد غير مقيد.
لكن عودة الدولة تسبق الارتفاع المفاجئ الذي نشهده في التضخم اليوم وتسبق أيضا أسبابه الرئيسية – الجائحة وقفزات أسعار الطاقة والحرب الروسية الأوكرانية. لقد كانت الثقة في النموذج الاجتماعي والاقتصادي لما بعد 1980 على شفير الهاوية أصلا تحت ضغط من الماضي والمستقبل في آن معا.
تمثل شعبوية دونالد ترمب وأنصار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وآخرين (من ضمنهم بعض ممن هم في اليسار) حنينا إلى تسوية اجتماعية سابقة يذكر (بحق) أنها أكثر انضباطا (وبشكل خاطئ) أكثر ازدهارا. في الوقت نفسه، صعود أجندة المناخ يشكل استجابة لقناعة سائدة بين الناخبين بأن الترتيبات الاقتصادية الحالية تهدد مستقبلهم.
هناك اختلافات هائلة بين هذين الموقفين بالطبع. فمن ناحية، الوصول إلى اقتصاد خال من الانبعاثات الكربونية أمر ممكن، أما العودة إلى الخمسينيات فهي ليست كذلك. لكن مهما كانت أهدافهما واقعية، فإن كليهما يفترض مسبقا وجود دولة أكثر تدخلا وسيطرة.
هذا يساعد في تفسير المفاهيم المتغيرة لكيفية إدارة الاقتصاد بين السياسيين الوسطيين وحراس العقيدة الاقتصادية. التركيز الأكبر على تأمين التماسك الاجتماعي وإعادة تشكيل هيكل الاقتصاد بشكل فعال هو أكثر من مجرد استجابة مؤقتة لحالات الطوارئ.
في الوقت الراهن يبدو عام 2022 كأنه لحظة من 1945 أو 1979 - نقطة مفصلية تاريخية، أو تحول نموذجي. مع ذلك، الانتقال إلى فلسفة اقتصادية جديدة حاكمة لا يزال من الممكن أن يخرج عن مساره. أعوام الجائحة التي أدت إلى تدخلات الدولة على نحو لم نشهده منذ عقود - مع التعافي السريع في الدخل والوظائف ـ كان دليلا على نجاحها. لكن وجهة نظر مغايرة تترسخ الآن وهي تهدف إلى تشويه سمعة السياسات التي أنتجت تعافيا سريعا من الناحية التاريخية.
في هذه السردية، يلقي ارتفاع التضخم الحالي بظلاله على انتصار سوق العمل التي جعلت من السهل الآن العثور على وظائف أفضل. لقد نسينا تماما كيف تبدو سوق العمل الجيدة لدرجة أننا نجازف بالاعتقاد بأنها حالة شاذه. ومن المؤكد أن محافظي البنوك المركزية خائفون من تبني موقف يوصف بالتشدد عوضا عن الحكمة.
يدور الجدل الاقتصادي الحالي حول أكثر من مجرد إدارة ضغوط تكلفة المعيشة بكثير. السؤال هو ما إذا كنا سنضع أخيرا الـ40 عاما الماضية وراء ظهورنا ونستقر على شيء أفضل.