بريطانيا .. إكثار «وحيدات القرن» يتطلب تغيير عقلية الاستثمار
إذا كانت الشركات الأقوى تؤسس خلال أصعب الأوقات، فإن آفاق قطاع التكنولوجيا البريطاني تبدو واعدة. إذ يبدو أن الاقتصاد ينزلق بسرعة إلى الركود مع ارتفاع التضخم وأسعار الفائدة. تقييمات السوق لشركات التكنولوجيا تلحق الآن بأسعار أسهم السوق العامة الآخذة بالانخفاض. ولم يتفوه رئيس الوزراء البريطاني بكلمة أصدق من قوله، "تبا للأعمال".
من خلال إنفاذ صعب لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، نجحت حكومة بوريس جونسون في فرض عقوبات على بلدها. فالأمر لم يقتصر على انتزاع بريطانيا نفسها من أكبر سوق موحدة في العالم فحسب، بل قد يتم إخراجها أيضا من برنامج هورايزون للبحث العلمي التابع للاتحاد الأوروبي الذي تبلغ تكلفته 95 مليار يورو. كما قال أحد خبراء التكنولوجيا البارزين لوزير في حدث لمنتدى المؤسسين الأسبوع الماضي، لقد أدى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى أكبر خسارة للسيادة منذ غزو النورمانديين في 1066. مع اندماج العالم بسرعة في ثلاث كتل تكنولوجية "الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي"، تقف بريطانيا الآن في عزلة كئيبة.
لكن على الرغم من عودة الأوقات العصيبة، كان المزاج العام لـ"أسبوع لندن للتكنولوجيا" الأسبوع الماضي متفائلا بتحد. وبالنظر إلى أدائه على مدى العقد الماضي، فإن القطاع لديه كثير مما يدعو للتفاؤل. أبرز تقرير حديث لشبكة تيك نيشن، أن عدد الشركات الخاصة الناشئة من فصيلة "وحيدة القرن" التي تقدر قيمتها بأكثر من مليار دولار زاد خلال تلك الفترة من 12 إلى 123 "على الرغم من أن عددا لا يستهان به منها قد يفقد من قيمته خلال فترة الانحدار الأخيرة". وارتفع عدد موظفي قطاع التكنولوجيا من 2.2 مليون إلى أقل بقليل من خمسة ملايين. ربما يكون ملخص الكلمات لأسبوع لندن للتكنولوجيا قد ولد عبارة، الفرص في المحن.
في الوقت الراهن، تظل لندن مركز رأس المال المغامر في أوروبا، على الرغم من أن باريس تتحداها. ويعد "المثلث الذهبي" للجامعات البريطانية، الذي يشمل لندن وأكسفورد وكامبريدج، أحد أكثر مصانع الأفكار حيوية في العالم. كما ضاعفت شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبيرة رهانها في المملكة المتحدة من خلال المقر الرئيس لشركة جوجل "لاندسكريبر"، وهو أطول من مبنى شارد ـ يتم بناؤه إلى جانب محطة كينجز كروس في لندن. قال لي كينت ووكر، رئيس الشؤون العالمية في شركة جوجل، في زيارة أخيرة، " لدى المملكة المتحدة فرصة عظيمة، فالمواهب في العلوم والتكنولوجيا غير عادية".
حتى إن بعض أصحاب رؤوس الأموال المغامرة يحاولون إعادة تصور وإعادة صياغة جغرافية ريادة الأعمال في أوروبا لعالم ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وبالطريقة نفسها التي أدى بها تركز الخبرة في مجال إنشاء الشركات والخبرة الأكاديمية والمالية في مدينة بالو ألتو في كاليفورنيا إلى صعود وادي السيليكون، فإن لندن وباريس هما قطبان لامركزيان لمدينة "بالو ألتو جديدة"، وفقا لسول كلاين، الشريك المؤسس لشركة لوكال جلوب لرأس المال المغامر. وتقع مكاتبه الخاصة بالقرب من شركة جوجل ديب مايند التي تقول إنها توظف 700 باحث حاصلين على درجة الدكتوراه يركزون على الذكاء الاصطناعي، أو بالقرب من معهد فرانسيس كريك اللامع الذي يجري أبحاثا في الطب الحيوي، ويونيفيرسيتي كوليدج لندن.
اقفز في قطار "على الأقل أثناء سيره" وفي غضون أربع ساعات يمكنك الوصول إلى عديد من نقاط التكنولوجيا الساخنة الأخرى، منها بريستول ومانشستر وباريس. يمكنك أيضا العثور على مجموعة مزدهرة لعلوم الحياة حول لوفين في بلجيكا، ومجموعة تكنولوجيا عميقة حول أيندهوفن في هولندا.
سبع من شركات التكنولوجيا الناشئة العشر، الأعلى قيمة في أوروبا، خرجت من نيو بالو ألتو هذه، وفقا لشركة ديلروم. مجتمعة، تحتل هذه المجموعة الأوروبية المرتبة الثالثة في العالم، بعد كاليفورنيا والصين، من حيث قيمة المؤسسات الجديدة التي تم إنشاؤها.
لكن، على الرغم من التقدم الذي أحرزه قطاع التكنولوجيا في المملكة المتحدة على مدار العقد الماضي، لا يزال أمامه طريق طويل ليقطعه. فقد كانت إحدى "الأخطاء الكبيرة" هي الفشل الجماعي في الاستثمار الكافي في رأس المال غير الملموس، وفقا لجوناثان هاسكل وستيان ويستليك، مؤلفا كتاب "رأسمالية من غير رأسمال: بروز الاقتصاد غير الملموس".
فعلى مدار الـ15 عاما الماضية، نما الاستثمار الرأسمالي غير الملموس في المملكة المتحدة 2.3 في المائة سنويا، مقارنة بـ4.4 في المائة في الولايات المتحدة، ما أسهم في حدوث تباين كبير في الأداء الاقتصادي. خذ، مثلا، شركة عصرية مثل أبل تشكل أصولها الملموسة 2 في المائة فقط من القيمة السوقية لأسهمها. لكن الممولين البريطانيين يظلون مستعبدين "لاستبداد الضمانات"، مفضلين الإقراض مقابل الأصول الملموسة، كالمباني والمصانع والآلات، بدلا من الاستثمار في الأصول غير الملموسة، كالبرمجيات والعلامة التجارية والتصميم. ويختتم ويستليك قائلا، "لدينا قطاع مالي من القرن الـ18 غير مناسب للغرض".
الإجابة عن ذلك هي زيادة الاستثمار في التعليم والبحث والابتكار، لتوسيع الوصول إلى رأسمال على غرار رأس المال المغامر وتعديل القواعد لمصلحة تمويل الأسهم على تمويل الديون. لكن هذا يتطلب تغييرا كبيرا في العقلية الجماعية. مع الحظ، قد تؤدي الأوقات الصعبة إلى تحفيز إعادة التفكير التي تمس الحاجة إليها.