الفارون من هونج كونج يواجهون التحديات في جزيرة سنغافورة الفاضلة
جون، موظف في القطاع المالي مقيم في هونج كونج، لا يتطلع للانتقال إلى سنغافورة.
يقول المغترب، الذي يرفض الكشف عن اسمه الحقيقي أو أي تفاصيل شخصية أخرى، إنه وعائلته يعيشون "حياة مرفهة للغاية" في الإقليم البريطاني سابقا، الخاضع للسيادة الصينية حاليا.
يقول جون خلال مكالمة من منزله الحالي، حيث يشعر بالقلق من سخونة سوق العقارات عبر بحر الصين الجنوبي: "إنني أحدق في المحيط في الخارج وأنظر إلى المسبح أمامي بينما نتحدث. أعلم أننا لن نملك ذلك".
يقول: "نحن ننتقل من منزل فيه مسبح، وملعب تنس، وحديقة، وخمس غرف نوم، إلى مكان ما حيث ننظر إلى شقة أخرى، في الأساس".
مع ذلك، يشعر جون أنه لا يملك خيارا آخر. إنه واحد من كثير من العاملين الأجانب الذين سعوا هذا العام للهروب من الإجراءات الصارمة لجائحة فيروس كورونا في هونج كونج. أثبتت القواعد الصارمة أنها القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لكثيرين في المدينة من الذين تحملوا بالفعل عاما تقريبا من الاضطرابات السياسية المتصاعدة قبل وصول فيروس كورونا في أوائل 2020.
على الرغم من تخفيف هذه القيود بشكل تدريجي في الأسابيع الأخيرة، إلا أن عددا كبيرا قد انتقل بالفعل. التقارير التي وردت في وقت سابق من هذا العام عن فصل الآباء عن أطفالهم في أجنحة المستشفيات جعلت حملة الصين الصارمة شخصية بشكل خاص، ما دفع كثير من العائلات لحزم حقائبها.
كانت الوجهة الجديدة الأوضح هي سنغافورة، مركز مالي آسيوي آخر، حيث على عكس هونج كونج، لم يعد المسافرون من رجال الأعمال بحاجة إلى الحجر الصحي عند وصولهم. ينظر إليها البعض منذ وقت طويل على أنها ابنة عم المدينة الصينية الأصغر والأقل حيوية، فقد تعززت جاذبيتها بعد أن بدأت في رفع قيود كوفيد - 19 في الخريف الماضي. تم إلغاء القيود المفروضة على السفر في العطلات والمطاعم والحياة الليلية قبل رفعها في هونج كونج.
في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، تضاعف عدد الزوار القادمين إلى سنغافورة من هونج كونج أكثر من 13 مرة على أساس سنوي إلى 13678 زائرا، وفقا للبيانات الرسمية. وتشمل الأرقام السائحين وكذلك المسافرين من رجال الأعمال.
مع ذلك، لم يكن الانتقال عملية سهلة. إلى جانب المشكلات المعتادة المرتبطة بالانتقال، كان على المغتربين مواجهة ارتفاع أسعار المساكن، والمنافسة غير المسبوقة على أماكن في المدارس ومتطلبات التأشيرة الصارمة بشكل متزايد.
في آذار (مارس)، ذكرت صحيفة فاينانشيال تايمز أن بعض أفضل المدارس الخاصة في سنغافورة كانت تتلقى ما يصل إلى 15 طلبا لكل مقعد واحد شاغر، حيث كافح الآباء الهاربون من هونج كونج لتأمين أماكن لهم. يقول كريج كونسيداين، الرئيس التنفيذي لمدرسة تنجلين ترست، واحدة من المدارس العالمية الأكثر شهرة في المدينة الدولة، إن الطلب ظل "قويا جدا" على مدار العام. يضيف أنه مع زيادة عدد طلبات الالتحاق على الشواغر، فلن يتم تقديم عروض جديدة حتى نهاية 2022.
كما يتلقى وكلاء العقارات سيلا من المكالمات. في الربع الأول من هذا العام، ارتفع مؤشر إيجارات المنازل الخاصة 4.2 في المائة مقارنة بالفترة السابقة، ليصل إلى أعلى مستوى منذ بدء عمليات التسجيل، وفقا لما ذكرته حكومة سنغافورة. قدمت السلطات مؤشرا فقط، وليس أرقاما تقريبية للإيجارات. في غضون ذلك، تراجعت إيجارات المنازل الخاصة في هونج كونج 2 في المائة تقريبا في الربع الأول.
كانت معظم الأبراج السكنية التي تكاد تصل إلى سماء سنغافورة مساكن عامة، حيث يعيش نحو 80 في المائة من السكان في هذه المجمعات السكنية، ما يترك الوافدين الجدد يتسابقون للحصول على المجموعة الأصغر بكثير من العقارات الخاصة.
أصبحت المناطق المفضلة من قبل الأجانب الأثرياء تنافسية بشكل خاص، وفقا لهاري كريشنان، الرئيس التنفيذي لموقع بروبرتي جورو للعقارات في سنغافورة.
قال لصحيفة فاينانشيال تايمز في وقت سابق من هذا العام: "إذا كنت تريد (منزلا) في منطقة بوكيت تيما بالقرب من المدرسة البريطانية، فأنت في ورطة". مشيرا إلى المنطقة السكنية المرغوبة قرب وسط مدينة سنغافورة حيث توجد فيها واحدة من أكثف التجمعات السكنية الخاصة.
يتوقع ليونارد تاي، رئيس الأبحاث في مكتب سنغافورة لوكالة نايت فرانك للعقارات، استمرار ارتفاع الإيجارات لمدة تصل إلى 15 شهرا. يضيف أن الأمر لا يتعلق فحسب "بالأشخاص من هونج كونج" الذين يزيدون السوق سخونة، مشيرا إلى نقص المعروض من المساكن بعد تعرض البناء لاضطرابات خلال الجائحة.
إضافة إلى منطقة بوكيت تيما، يقول تاي إن المناطق المحيطة بمنطقة أورشارد رود للتسوق، والقريبة من الشاطئ في إيست كوست بارك، شهدت طلبا مرتفعا بشكل خاص.
أصبحت مشكلات الانتقال أكثر مشقة بسبب الإجراءات الحكومية الأخيرة لوقف تدفق العاملين الأجانب. لطالما رحبت سنغافورة، التي ينظر إليها عادة على أنها واحدة من أكثر الاقتصادات انفتاحا في العالم، بالشركات الدولية. لكن المنافسة على الوظائف زادت من حدة المواقف ضد المهاجرين ذوي الدخل المرتفع الذين يترددون على المنطقة التجارية المركزية والحانات الباهظة على طول رصيف كلارك القريب. شعرت الحكومة بأنها تحت الضغط للرد.
رفع المسؤولون الأجر الأساسي المطلوب للحصول على التأشيرات في ثلاث مناسبات في ثلاثة أعوام، مع حد أدنى جديد للأجر يبلغ نحو 44 ألف دولار للمهنيين الذين يدخلون صفوف العمل هذا الخريف. بالنسبة للأشخاص في منتصف الأربعينات من العمر، يرتفع ذلك إلى أكثر من 91 ألف دولار. مع قول الشركات إنها تتعرض لضغوط لمحاباة السكان المحليين، لم تتمكن كل عائلة كانت تتوقع الانتقال من فعل ذلك.
قال رئيس آسيا لأحد المصارف الدولية الشهر الماضي: "كانت الحكومة صريحة جدا في أنها لا تريدنا أن ننقل مزيدا من موظفي المكاتب الخلفية. إنها سعيدة أن تكون لدينا عمليات مكاتب خلفية أكبر طالما أننا نوظف أبناء البلد".
يقول دانيال بيتي، الذي انتقل من هونج كونج في أيلول (سبتمبر)، إن زوجته عانت للحصول على وظيفة وسط معارضة للأجانب.
لكن المسؤول التنفيذي للمصرف نفسه متردد في توظيف الوافدين الآخرين. يقول: "إنني أنظر إلى الرسوم المدرسية، وتكاليف الإيجار. سيطالب الناس بمزيد من الأجور للانتقال هنا. أنا متحفظ للغاية بشأن جلب مزيد من الأشخاص إلى سنغافورة".
كان الغربيون يقومون برحلة إلى المدينتين الجزريتين، هونج كونج وسنغافورة – التي تبعد مسافة رحلة طيران مدتها أربع ساعات تقريبا – منذ وقت طويل يعود للقرن الـ19، عندما كانت كلتا المدينتين مستعمرتين بريطانيتين. في العقود الأخيرة، واصل الأجانب الباحثون عن الثروات والمناخ الأكثر دفئا السفر من وإلى المناطق المالية في المدينتين حيث توجد الآن مكاتب زجاجية تحتلها أكبر المصارف في العالم، بدلا من المباني الاستعمارية.
لكن، على الرغم من الروابط بين المدينتين، وجد الذين وصلوا حديثا إلى سنغافورة أن العيش هناك تجربة مختلفة تماما.
حصلت المدينة الدولة الصغيرة على استقلالها من الحكم البريطاني في 1959، قبل عقود من تسليم هونج كونج للصين. بتوجيهات لا هوادة فيها من لي كوان يو، رئيس وزرائها الأول، تحولت في غضون أعوام من بؤرة تجارية ذات موارد طبيعية شحيحة إلى مركز أعمال منخفض الضرائب.
تم تجريف الغابات المطيرة، وكذلك الحال بالنسبة لكثير من المتاجر التقليدية في المدينة – مبان منخفضة الارتفاع تضم مساحات سكنية وتجارية. تم استصلاح أراض من البحر لبناء أبراج عمودية أكثر أناقة. أدى التمويل الحكومي المرتفع للإسكان والرعاية الصحية إلى إرضاء الناخبين، في حين أن المعارضة السياسية كثيرا ما يتم القضاء عليها سريعا.
استمرت هذه الحملات القمعية حتى يومنا هذا. في 2020، اتهمت سنغافورة ناشطا وقف بمفرده ورفع لافتة عليها رسم لوجه مبتسم بالمشاركة في "تجمع عام غير قانوني".
الأجانب الذين يتجنبون مثل هذه المظاهرات غالبا ما يجدون سنغافورة مريحة ونظيفة وآمنة، في حين تفتقر إلى حد ما إلى الروح التي يوحي بها لقبها، مدينة الأسود. لكن بعد مشاهدة احتجاجات الشوارع العنيفة والتغيير السياسي المتزايد في هونج كونج، يشعر البعض بالامتنان لإمكانية توقع الحياة في سنغافورة.
تقول هيذر توماس، صاحبة أعمال أمريكية انتقلت أخيرا من هونج كونج: "الجميع يقول: ’هونج كونج، سنغافورة: إنها الشيء نفسه‘. لكنها في الحقيقة ليست كذلك، فهي مختلفة حقا. إن وتيرة الحياة أبطأ قليلا، وهذا ليس بالأمر السيئ بالضرورة".
يقول رائد أعمال آخر وصل هذا العام إن السنغافوريين "ما زالوا حذرين للغاية" بشأن قيود فيروس كورونا، على الرغم من تخفيف القواعد. مثل غيره، كان يكره التحدث علانية عن منزله الجديد.
يقول: "في هونج كونج الأمر فوري"، مشيرا إلى رد فعل سكان هونج كونج عندما تم رفع قيود فيروس كورونا مؤقتا في الأعوام السابقة. "افتح الصالات الرياضية، وستصبح الصالات الرياضية ممتلئة".
التكيف مع سنغافورة أمر جسدي أيضا. تقع على شمال خط الاستواء بدرجة واحدة فقط، على بعد نحو 2500 كيلومتر جنوب هونج كونج.
يقول رائد الأعمال: "إنه أمر صعب للغاية. خلال الشهر الأول من إقامتي هنا لم أستطع الحصول على قسط كاف من النوم. كنت دائما منهكا بسبب الرطوبة". يضيف: "عندما تطلب مشروبا، يذوب مكعب الثلج في 30 ثانية".
بعد التكيف مع مدينتهم الجديدة الأكثر رطوبة وسهلة الانقياد، لا يزال كثير من المهنيين متفائلين بشأن مستقبلهم في سنغافورة. كانت توماس، التي تدير شركة لممارسة تمارين البيلاتيس في هونج كونج لمدة 17 عاما، تفكر بالفعل في توسيع أعمالها في المدينة الدولة قبل تفشي الجائحة. لكن الصعوبات التي واجهتها أعمالها في وقت لاحق دفعتها إلى تسريع هذه الخطط وبدء حياة جديدة في سنغافورة.
تقول: "نحتاج إلى التنوع (...) كنا نعاني عمليات الإغلاق المتقطعة خلال الأعوام الثلاثة الماضية. في سنغافورة، هناك مكان مخصص للبيلاتيس التقليدي وهناك عملاء من الطبقة الراقية بشكل متزايد. كما أن هناك طلبا في مساحة لم يتم شغلها بعد".
مع وصول مزيد من الأشخاص المشابهين لها إلى سنغافورة، من المحتمل أن تكون آفاقها كمركز للأعمال الصغيرة آخذة في الارتفاع.
تقول: "يبدو حقا أن سنغافورة الآن مكان أفضل من هونج كونج لبدء الأعمال. كما تبعد ساعة ونصف الساعة عن بالي، إنها رائعة".
حتى انتقاله مؤقتا إلى سنغافورة في بداية هذا العام، كان كوفيد - 19 يخيم بشكل كبير على فيل كريشيلسكي، الذي يدير شركة تقدم خدمات استشارية للشركات في آسيا. عندما بدأ انتشار الفيروس لأول مرة في 2019، قال إنه كان يعمل لدى عميل تصنيع على بعد رحلة مدتها ساعتان فقط من ووهان، المدينة الصينية التي تم فيها اكتشاف الفيروس لأول مرة. من منزله في هونج كونج، أمضى معظم وقته منذ ذلك الحين يتكيف مع سياسات بكين الوبائية غير المتوقعة.
الآن، مثل كثيرين ممن وصلوا إلى سنغافورة هذا العام، يشعر بالتحرر لمجرد أنه قادر على السفر بحرية عبر الحدود. يقول: "عندما كنت طفلا، كانت هناك لعبة تسمى واك آ مول. كنت تعلم ما سيحدث لكن لم تكن تعرف متى، (...) التناقض في هونج كونج يجعل من شبه المستحيل على رجال الأعمال التنفيذيين العمل في البر الرئيس أو بقية العالم". على النقيض من ذلك، عند وصوله إلى سنغافورة، سرعان ما شعر بالذهول عندما اكتشف أن التخليص الجمركي ومغادرة المطار لم تستغرق سوى 20 دقيقة.
يقول متذكرا: "خرجت في نزهة على الأقدام وكانت المطاعم تدعوني للدخول. اعتقدت أنني سأتعرض لنوبة قلبية، يا رجل. أعتقد أنه كان أمرا رائعا جدا".