معركة التضخم .. الهبوط الناعم لم يعد أحد الاحتمالات

معركة التضخم .. الهبوط الناعم لم يعد أحد الاحتمالات
اعترف جاي باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، بأن هبوط الاقتصاد بطريقة ناعمة أصبح أمرا صعبا.

تراجعت الاحتمالات الضئيلة أصلا لخفض الاحتياطي الفيدرالي للتضخم دون التسبب بركود اقتصادي مؤلم، بعدما تبنى البنك المركزي الأمريكي ما يعد الحملة الأكثر صرامة لتشديد السياسة النقدية منذ عقود.
فبعد الموافقة على أكبر زيادة في أسعار الفائدة منذ 1994 - نقلت معدل الفائدة على الأموال الفيدرالية إلى نطاق مستهدف جديد يراوح بين 1.50 في المائة و1.75 في المائة - أشار الاحتياطي الفيدرالي إلى أن معدل السياسة يمكن أن يرتفع إلى أكثر من 3 في المائة بحلول نهاية العام، ليصل إلى مرحلة قال الرئيس جاي باول إنها من المتوقع أن تكون "تقييدية بشكل متواضع" للأنشطة الاقتصادية. ومن المتوقع أيضا حصول زيادات أخرى على أسعار الفائدة في 2023.
تعكس الإجراءات العنيفة شعورا متزايدا بالذعر انتاب الاحتياطي الفيدرالي أخيرا، في الوقت الذي يتصارع فيه مع أسوأ تضخم منذ أربعة عقود ومع أدلة متزايدة على أن المشكلة يمكن أن تزداد سوءا قبل أن تتحسن.
في مؤتمره الصحافي بعد القرار الأربعاء، أوصل باول الرسالة الشاملة التي مفادها أن البنك المركزي "مصمم" على فعل ما يلزم لمعالجة التضخم، مشيرا بذلك إلى أن إخماد ضغوط الأسعار هي الأولوية الأعلى، حتى لو كان ذلك على حساب تباطؤ النمو وارتفاع معدلات البطالة.
قال، "الخطأ الأسوأ الذي يمكننا ارتكابه هو الفشل، وهذا ليس خيارا. علينا استعادة استقرار الأسعار (...) إنه حجر الأساس للاقتصاد".
الاقتصاديون بدورهم أصبحوا أكثر تشاؤما بشأن التوقعات الاقتصادية، ويتوقع كثير منهم الآن حدوث ركود بحلول العام المقبل.
قال ستيفان كين، الرئيس المشارك للدخل الثابت في شركة تي سي دبليو، "احتمالات الهبوط الناعم قريبة بشكل كبير من الصفر، والسبب هو أننا في بيئة غير مسبوقة والأولوية الساحقة للاحتياطي الفيدرالي هي التضخم، ثم التضخم، ثم التضخم".
أضاف، "يعد التضخم مؤشرا متأخرا، وحقيقة أنهم ينظرون إلى مؤشر متأخر عن الاتجاه (...) ضمانة تقريبا أنهم سيفرطون في التشديد ويتسببون في الركود".
كان فحوى التوقعات الاقتصادية التي نشرها الاحتياطي الفيدرالي الأربعاء هو ما وصفه مايكل فيرولي، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في بنك جيه بي مورجان، بأنه "انحسار نقي للتضخم" - بعبارة أخرى، يمكن لأسعار الفائدة أن ترتفع بشكل كاف لترويض التضخم دون خنق النمو الاقتصادي والتسبب في خسارة مؤلمة في الوظائف.
حدد مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي مبدئيا انخفاض التضخم الأساسي 1.60 نقطة مئوية بين هذا العام والعام المقبل إلى 2.7 في المائة، مع ارتفاع معدل البطالة من 3.6 في المائة حاليا إلى 3.9 في المائة بحلول 2023 و4.1 في المائة بحلول 2024. ويتوقع معظم مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآن نموا أبطأ مقارنة بالأشهر الثلاثة الماضية، على الرغم من أنه لا يزال من المتوقع أن يتوسع الاقتصاد 1.7 في المائة هذا العام والعام المقبل.
قال باول الأربعاء إن هذه التوقعات تتماشى مع الهبوط "الناعم" للاقتصاد، في حين اعترف أن الطريق إلى ذلك أصبح "أكثر تحديا".
أضاف، "ما أصبح أكثر وضوحا هو أن كثيرا من العوامل التي لا يمكننا التحكم فيها ستلعب دورا مهما للغاية في تقرير ما إذا كان ذلك ممكنا أم لا"، في إشارة إلى ارتفاع أسعار السلع الناجم عن الحرب في أوكرانيا وإطالة الاضطرابات في سلسلة التوريد التي أدت إلى تفاقم التضخم المرتفع أصلا.
ميشيل ماير، كبيرة الاقتصاديين الأمريكيين في شركة ماستر كارد، حذرت من أن كثيرا من المكاسب في الاقتصاد الأمريكي القوي تاريخيا وسوق العمل الضيقة قد تبدأ بالتآكل، ما لم نشهد تحسينات ملحوظة على هذه الجبهات.
قالت، "إنهم بحاجة إلى بدء النظر إلى النتائج من ناحية الاعتدال في التضخم، وإذا سار في الاتجاه الآخر واستمر في التسارع، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيكون في وضع أكثر صعوبة. سيتعين عليهم قطع مسافات طويلة بشكل أسرع وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من الضرر للاقتصاد الحقيقي".
قال باول إن الاحتياطي الفيدرالي سيحتاج إلى رؤية "دليل مقنع" على أن التضخم آخذ في الانخفاض - خصوصا أن سلسلة من التقارير الشهرية تظهر أن ضغوط الأسعار مستمرة في الانحسار - قبل أن يكون مستعدا للتراجع.
المشكلة في ذلك، وفقا لتوم بورسيلي، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في شركة آر بي سي، هي أن بيانات التضخم المستقبلية قد تكون أسوأ من قراءات أيار (مايو) التي دفعت الاحتياطي الفيدرالي إلى زيادة وتيرة التشديد بسرعة.
قال، "إلى أين ستتجه الأسعار الرئيسة في الشهرين المقبلين برأيك؟ إنها ترتفع فحسب، إذا قرر هذا الاجتماع زيادة 75 نقطة أساس وكان لديك معدل تضخم 8.6 في المائة، والآن سيتسارع أكثر من حيث كنا إلى 9 في المائة - ما الذي تعتقد أنه سيحدث في تموز (يوليو)؟".
عد بورسيلي أن هذه الديناميكية يمكن أن تترسخ حتى نهاية الصيف، ما يعني مزيدا من الضغط على الاحتياطي الفيدرالي للعمل بقوة حتى أيلول (سبتمبر) على أقرب تقدير.
في حين أشار باول إلى أن من المرجح أن تختار اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بين ارتفاع 0.5 نقطة مئوية و0.75 نقطة مئوية في اجتماعها في تموز (يوليو)، قالت جوليا كورونادو، الخبيرة الاقتصادية السابقة في الاحتياطي الفيدرالي والآن في شركة ماكرو بوليسي بيرسبكتيفز، إن احتمال أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي حجم زياداته - حتى إلى نقطة مئوية كاملة - أكثر من احتمال تقليصها.
قالت، "بالنظر إلى ما كشف عنه باول ومدى سعادتهم بالزيادة، هناك خطر أنهم سيرفعون حتى أكثر مما يقولون في المخطط النقطي. لقد ارتفعت مخاطر الركود بالتأكيد لأنهم لا يتسامحون مع أي شيء وسيقومون بالرد على كل شيء بطريقة متشددة".

الأكثر قراءة