النزوح العظيم من طوكيو .. هل تفقد العاصمة بريقها بين الشركات؟

النزوح العظيم من طوكيو .. هل تفقد العاصمة بريقها بين الشركات؟

عندما كان أكيتيرو تيراوكا، البالغ من العمر 37 عاما، يعمل مديرا للمبيعات في المقر الرئيس لمجموعة باسونا في طوكيو، وهي واحدة من أكبر شركات التوظيف في اليابان، كان يغادر المنزل الساعة السابعة صباحا، ويتحمل رحلة مدتها ساعة على متن قطار مزدحم خمسة أيام أسبوعيا. أما الآن، ومنذ انتقاله في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي إلى منتجع في جزيرة نائية يبعد 600 كيلومتر، فإنه يستمتع بإطلالات على البحر في رحلته بالسيارة التي تستغرق عشر دقائق على طول الساحل إلى العمل، بعد تناول وجبة إفطار مريحة مع زوجته وولديه.
يرأس تيراوكا فريقا مكونا من 110 أشخاص على جزيرة أواجي في غرب اليابان. ما زال يتعامل مع عملائه المقيمين في طوكيو لكن عن بعد - حيث يرتب جداول اجتماعات للتوظيف، وينسق السير الذاتية للمتقدمين للوظائف ويعمل من كثب مع زملائه السابقين في العاصمة اليابانية. يقول، "لا يمكنني الآن قضاء مزيد من الوقت مع عائلتي فحسب، بل يمكنني أيضا الاستمرار في بناء مسيرتي المهنية داخل الشركة من أواجي. إنني أقوم بمهام اعتقدت سابقا أنها ممكنة في طوكيو فقط".
تيراوكا واحد من نحو 350 موظفا في شركة باسونا انتقلوا إلى الجزيرة منذ أن تصدرت الشركة العناوين الرئيسة في أيلول (سبتمبر) 2020 بعد إعلانها خطة لنقل موقع كثير من أعمال مقرها الرئيس هناك، إلى جانب 1،200 موظف، بحلول أيار (مايو) 2024. تعد شركة باسونا مثالا واحدا فقط على كيفية إعادة تفكير الشركات اليابانية، التي تتنوع من وكالات الترفيه إلى مطوري البرمجيات، بأنماط أعمالها نتيجة لجائحة فيروس كورونا.
في مكتبه في أواجي، مع إطلالات واسعة على بحر سيتو الداخلي الأزرق، يقول ياسويوكي نامبو، الرئيس التنفيذي لمجموعة باسونا، إن الأجيال الشابة من الموظفين، ولا سيما الذين لديهم أطفال صغار، "يغيرون قيمهم بشكل متزايد، من التركيز على طوكيو إلى البحث عن بيئة محاطة بالبحر والجبال".
في حين غير العمل الهجين والعمل عن بعد من ثقافات أماكن العمل حول العالم، فإن التغيرات كانت هائلة بشكل خاص في ثالث أكبر اقتصاد في العالم. تشتهر اليابان بساعات العمل الطويلة والإنتاجية المنخفضة، حيث في الأغلب يكون الوجود في المكتب - والمغادرة بعد رئيسك - أكثر أهمية مما يتم إنجازه بالفعل.
سلسلة من الأزمات الطبيعية، وأبرزها زلزال توهوكو 2011 وإعصار تسونامي الذي تسبب في كارثة فوكوشيما، كانت بمنزلة نداءات تنبيه بالفعل للرؤساء التنفيذيين في اليابان بضرورة تنويع المخاطر. تماشى هذا مع سياسة الحكومة، التي تقدم إعانات لنقل مواقع الشركات، وذلك في المقام الأول لدعم المناطق و"التخلص من المخاطر" التي تهدد العاصمة. لكن قبل الجائحة، جعلت عادات العمل في الدولة التي دامت عقودا فكرة مغادرة طوكيو تبدو شبه مستحيلة، التي يتركز فيها العملاء، والجامعات والوزارات.
الآن، يتم الابتعاد عن هذا الاعتقاد الراسخ. وفقا لشركة تيكوكو داتابانك لمعلومات الأعمال التجارية، نقلت أكثر من 350 شركة مكاتبها الرئيسة من طوكيو والمحافظات المجاورة لها إلى الريف في العام الماضي - وهو رقم قياسي. كما أنه ولأول مرة منذ 11 عاما، كان عدد الشركات التي غادرت العاصمة أكثر من تلك التي انتقلت إليها. هذا يدعم أرقام الاتجاهات السكانية الصادرة عن وزارة الشؤون الداخلية والاتصالات، التي أظهرت أنه في 2021 كان عدد الأشخاص الذين غادروا أحياء طوكيو المركزية البالغ عددها 23 أكبر من الذين وصلوا لها، وذلك للمرة الأولى منذ بدء عمليات التسجيل.
يقول يوتاكا أوكادا، أحد كبار مسؤولي الأبحاث في شركة ميزوهو ريسيرش أند تكنولوجيز، "من غير المرجح أن يتوقف اتجاه الشركات التي تنتقل إلى المناطق الإقليمية. ستختار الشركات بعناية ما الأفضل في طوكيو". يضيف أن اليوم، مع تزايد حالة عدم اليقين وسط الجائحة والأزمة بين روسيا وأوكرانيا، "فمن المتوقع أن يتم نقل بقية الأعمال إلى مكان آخر في جهود لخفض التكاليف" استعدادا للمستقبل.
قال نامبو من شركة باسونا، الذي انتقل إلى جزيرة أواجي في 2020 ولم يعد إلى طوكيو منذ ذلك الحين، إن خطر حدوث زلزال كان دائما إحدى المشكلات التي تجعله يقظا في الليل. تبنى عادات العمل الجديدة التي أثارتها الجائحة لمساعدته أخيرا على نقل المكتب الرئيس بعيدا عن العاصمة. نظرا إلى أن الشركة كانت تعمل في مجال الزراعة والسياحة في أواجي منذ 2008، كانت الجزيرة هي الخيار الذي كان يفكر فيه. يقول نامبو إن المسؤولين التنفيذيين من مختلف الصناعات قد زاروا مكاتب "باسونا" الجديدة لفهم كيفية سير العملية.
منذ إعلان خططها لنقل موقعها، افتتحت شركة باسونا خمسة مكاتب في جزيرة أواجي، التي يبلغ عدد سكانها 130 ألف نسمة. انتقل بعض الموظفين إلى المكتب الرئيس الجديد الذي تم افتتاحه في أيار (مايو) لكن الشركة تركت المكاتب الأخرى مفتوحة. كان على الشركة - التي لم تغير رواتب الموظفين الذين تم نقلهم، على الرغم من انخفاض تكلفة المعيشة مقارنة بطوكيو - التغلب على التحديات في كل شيء بدءا من الاتصال بشبكة الإنترنت إلى توفر المدارس والمستشفيات، واشترت أرضا لبناء الشقق لسد النقص في السكن.
ريادتها لطفرة الانتقال جلبت للشركة فوائد غير متوقعة. الشركات التي لا تزال مترددة بشأن نقل مكاتبها الرئيسة من العاصمة بدأت الاستعانة بمصادر خارجية لأعمال المحاسبة وغيرها من أعمال المكاتب الخلفية، لتقليل عملياتها تدريجيا في طوكيو. استفادت شركة باسونا من هذا الطلب، من خلال تعزيز خدمات الاستعانة بالمصادر الخارجية لعمليات سير الأعمال وتوسيع المرافق عبر استئجار طابق في مركز الجزيرة التجاري الكبير.
يقول نامبو إن الشركة تجتذب اهتمام مهندسي التكنولوجيا الذين يرغبون في العودة إلى ديارهم في الجزيرة، ما يمكن شركة باسونا من بدء أعمال جديدة تتضمن الشخصيات والميتافيرس. يقول، "لم نتمكن من جذب هؤلاء المهندسين في طوكيو، حتى لو دفعنا أجورا مرتفعة". تعتزم الشركة توظيف نحو 10 في المائة من موظفيها المخطط لهم البالغ عددهم 1،200 محلي في الجزيرة.
تعمل الشركات الأخرى التي انتقلت بعيدا عن العاصمة على إنشاء أعمال جديدة. في تموز (يوليو) 2021، قامت وكالة أميوز للمواهب المدرجة في البورصة التي تتخذ من طوكيو مقرا لها، بإنشاء مقر رئيس جديد يجمع بين الاستوديوهات وغرف التدريب عند سفح جبل فوجي، يبعد نحو ساعتين بالسيارة.
احتفظت الشركة بمكاتبها في طوكيو - التي قلصت عددها بشكل كبير - باعتبارها "منطقة عبور" لتجهيز المستندات عند مقابلة العملاء، مثلا. قال نوبوهيرو كاشيواجي، مسؤول تنفيذي، "يعمل المكتب الرئيس الجديد كورشة عمل للمحتوى الإبداعي. هذا لا يعني أننا نعتزم نقل الأعمال بأكملها في طوكيو إلى سفح جبل فوجي، لكننا نريد أن نشجع نموذج العمل الذي يكون فيه المكان غير مهما". حتى الآن، انتقل 20 شخصا إلى المنطقة الجبلية، لكن الآخرين في الغالب يقومون برحلة عند الضرورة من منازلهم في العاصمة.
لا يشعر الجميع بالحماسة تجاه الانتقال. يحذر خبراء من أنه لا يمكن النجاح في الأمر دون المشاورات اللازمة مع الموظفين، بما في ذلك تقديم البدلات لتمكينهم من زيارة طوكيو بشكل منتظم. يقول يوجي كوباياشي، الباحث الرئيس في شركة بيرسول ريسيرش أند كونسلتينج، "ينبغي أن تقضي الإدارة وقتا طويلا في شرح الهدف من الانتقال، لأنه يعني إجبار الموظفين على تغيير خطة حياتهم". يقول تاكيشي هيوكي، مستشار إداري، إنه نظرا إلى أن الناس ما زالوا يرغبون في العيش في العاصمة المزدهرة، "يمكن أن ينظر إلى الشركات على أنها تستغل الانتقال كذريعة لتسريح الموظفين".

الأكثر قراءة