حان الوقت لجرعة أقوى .. البنوك المركزية تتشدد في تعاملها مع التضخم

حان الوقت لجرعة أقوى .. البنوك المركزية تتشدد في تعاملها مع التضخم
برج البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت.
حان الوقت لجرعة أقوى .. البنوك المركزية تتشدد في تعاملها مع التضخم

البنوك المركزية التي تحظى بأكبر قدر من المراقبة في العالم، بدأت تتصرف أخيرا بصرامة تجاه ارتفاع التضخم، لكن اتضح هذا الأسبوع أنها تعلم أن هذا له تكلفة.
من المملكة المتحدة، حيث رفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة للمرة الخامسة في خمسة اجتماعات، إلى سويسرا، التي رفعت أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ 2007، أوقف صانعو السياسة في كل اقتصاد رئيس تقريبا التدفقات التحفيزية، بسبب شعورهم بالقلق من التضخم الذي وصفه كثيرون في البداية بأنه عابر.
لكن بالنسبة للبنكين الأكبر على وجه الخصوص - الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي - فإن توقعات ارتفاع أسعار الفائدة بحدة تجلب مقايضات محرجة. بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي، هذا يتعلق بالتوظيف المعرض للخطر، حيث ينتهج حملة هي الأكثر صرامة لتشديد السياسة النقدية منذ الثمانينيات. أما البنك المركزي الأوروبي، فسارع الأسبوع الماضي إلى عقد اجتماع طارئ، وقال إنه سيعجل العمل على خطة جديدة لتجنب الانشقاق في منطقة اليورو، اعتراف بخطر إمكانية دخول جنوب أوروبا وإيطاليا على وجه الخصوص في أزمة.
لدى معظم البنوك المركزية في البلدان المتقدمة مهمة هي إبقاء التضخم أقل من 2 في المائة، لكن الطلب الاستهلاكي الهائل وأزمة سلسلة التوريد الناجمة عن عمليات إعادة الفتح بعد كوفيد، إضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة الناجمة عن الحرب الروسية - الأوكرانية، جعلت هذا مستحيلا.
في البداية، نظر صانعو السياسة إلى ارتفاعات التضخم على أنها عابرة. لكن الآن، التضخم في الولايات المتحدة يجري بوتيرة سنوية 8.6 في المائة، المعدل الأسرع منذ أكثر من 40 عاما. وبالنسبة لمنطقة اليورو 8.1 في المائة، وفي المملكة المتحدة 7.8 في المائة. لذلك، تضطر البنوك المركزية إلى التصرف بصرامة أكبر.
يعتقد المستثمرون والاقتصاديون أن صانعي السياسة سيكافحون لتجنب المتاعب، من ارتفاع معدلات البطالة إلى الركود الاقتصادي. ويقول فريدريك دوكروزيت، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي في شركة بيكتيت ويلث مانجمنت، إن البنوك المركزية انتقلت "من مهما كلف الأمر إلى مهما لزم الأمر من متاعب".

الاحتياطي الفيدرالي يواجه الواقع
زاد الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي من حدة استجابته بشكل كبير الأسبوع الماضي. حيث دأب على رفع أسعار الفائدة منذ آذار (مارس)، لكنه سجل الأربعاء أول زيادة في سعر الفائدة تبلغ 0.75 نقطة مئوية منذ 1994. كما أنه مهد الطريق لسياسة نقدية أكثر تشددا في فترة زمنية قصيرة. ويتوقع المسؤولون ارتفاعا في أسعار الفائدة يصل إلى 3.8 في المائة في 2023، مع توقع حصول معظم الزيادات في هذا العام. وهي تراوح الآن بين 1.50 في المائة و1.75 في المائة.
يعلم الاحتياطي الفيدرالي أن هذا قد يتسبب بالضرر، استنادا للبيان المصاحب لقراره بشأن أسعار الفائدة. في الشهر الماضي فقط، قال إنه يعتقد أنه مع تشديد السياسة النقدية، سينخفض التضخم إلى هدفه البالغ 2 في المائة وسوق العمل "ستظل قوية". أما هذه المرة، تخلص من هذا الخط في الوظائف، وأكد بدلا من ذلك التزامه بالنجاح على جبهة التضخم.
بالنسبة لأولئك العارفين بقراءة ما بين سطور الاحتياطي الفيدرالي، فإن هذا مهم. يقول تيم دوي، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في إس جي إتش ماكرو أدفايزرز: "لم يكن ذلك عن غير قصد. يعلم الاحتياطي الفيدرالي أنه لم يعد من الممكن على المدى القريب ضمان استقرار الأسعار وأقصى حد من التوظيف".
أدى احتمال حدوث ركود في الولايات المتحدة وأماكن أخرى إلى إصابة الأسواق المالية بالدوار بالفعل. سجلت الأسهم الأمريكية أسوأ بداية لها لأي عام منذ الستينيات من القرن الماضي، وتسارعت الانخفاضات منذ تصريحات البنك المركزي الأخيرة. وفي غضون ذلك، انقلبت السندات الحكومية بعنف في ظل القوى المتنافسة المتمثلة في المخاوف من الركود وارتفاع أسعار الفائدة القياسية.
تقول كارين وارد، كبيرة استراتيجي أسواق أوروبا في جيه بي مورجان أسيت مانجمنت: "الخوف الأكبر هو أن البنوك المركزية لم تعد قادرة على الاهتمام بالنمو الاقتصادي، لأن خفض التضخم سيمثل مهمة صعبة للغاية. ولهذا نحصل على هذ البحر من العلامات الحمراء في الأسواق".
للوهلة الأولى، قد تبدو المخاوف من حدوث ركود في الولايات المتحدة في غير محلها، نظرا لانتعاش الاقتصاد بقوة من عمليات إغلاق كوفيد، وسوق العمل مزدهرة، مع طلب هائل على التعيينات الجديدة، ما يعزز وتيرة صحية من الوظائف الشهرية. وتم إيجاد نحو 400 ألف وظيفة جديدة في أيار (مايو) وحده، ويقترب معدل البطالة الآن من انخفاض تاريخي يصل إلى 3.6 في المائة.
وقد حذر الاقتصاديون من أن التضخم الهائل يعرض هذه المكاسب للخطر. مع رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة القياسية، فقد يصبح اقتراض المستهلكين والشركات أكثر تكلفة، ما يحد من الطلب على عمليات شراء الأعيان الكبرى مثل المنازل والسيارات ويجبر الشركات على تقليص خطط التوسع أو الاستثمارات التي من شأنها تعزيز التوظيف.
يقول فينسنت راينهارت، الذي عمل في البنك المركزي الأمريكي لأكثر من 20 عاما وهو الآن كبير الاقتصاديين في وحدات دريفوس وميلون، التابعة لشركة بي إن واي ميلون إنفسمنت مانجمنت: "ليس لدينا في التاريخ سابقة رفع معدل الفائدة على الأموال الفيدرالية بهذا الحجم دون حدوث ركود".
يقول الاحتياطي الفيدرالي إن الانكماش الحاد ليس أمرا حتميا، لكن يبدو أن الثقة في هذا القول آخذة في الانحسار. قال جاي باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، الأسبوع الماضي إن البنك المركزي لا يحاول إحداث ركود، لكنه اعترف بأن تحقيق هبوط ناعم أصبح "أكثر صعوبة". قال الأربعاء: "لن يكون الأمر سهلا. وسيعتمد إلى حد ما على عوامل لا نتحكم فيها".
هذا الموقف الأكثر تشاؤما وهجوم الاحتياطي الفيدرالي على ارتفاع الأسعار أجبر كثيرا من الاقتصاديين على المضي قدما في توقعاتهم الخاصة بحدوث انكماش اقتصادي، وهي نتيجة قال ستيفن بليتز، كبير الاقتصاديين الأمريكيين في بنك تي إس لومبارد، إنها كانت "لحظة من تصميمهم الخاص" بسبب تصرفهم ببطء شديد في العام الماضي لاتخاذ إجراء ضد مشكلة التضخم المتزايدة. ويتوقع معظم المسؤولين الآن بعض التخفيضات في أسعار الفائدة في 2024.
أضاف: "بسبب تعاملهم غير الكفؤ مع السياسة النقدية في العام الماضي، وإيمانهم بعالم القصص الخيالية بدلا من رؤية ما كان يحدث بالفعل، وضعوا الاقتصاد والأسواق الأمريكية في هذا الموقف الذي يتعين عليهم الآن التخلص منه. لقد كانوا مخطئين ويتعين على الاقتصاد الأمريكي دفع الثمن".

مهما كلف الأمر؟
يواجه البنك المركزي الأوروبي تحديا من نوع يتسم بطابع وجودي أكثر. دعا البنك الأسبوع الماضي إلى اجتماع طارئ بعد أيام فقط من إعلان رئيسته، كريستين لاجارد، عن خطة لرفع أسعار الفائدة وإيقاف شراء مزيد من السندات في تموز (يوليو). تبدو هذه الخطة منطقية في سياق التضخم القياسي. لكن لها تأثير محرج يتمثل في إلحاق الضرر بالسندات الحكومية التي تصدرها إيطاليا، التي كانت تاريخيا مقترضة ومنفقة كبيرة. ارتفع عائد السندات الإيطالية لأجل عشرة أعوام إلى أعلى مستوى في ثمانية أعوام متجاوزا 4 في المائة، وبلغت فجوة عوائدها مقارنة مع ألمانيا 2.5 نقطة مئوية، وهو أعلى مستوى لها منذ تفشي الجائحة قبل عامين.
هذا الضغط الهائل على سندات البلدان الأعضاء الفردية يجعل من الصعب على البنك المركزي الأوروبي تطبيق سياسته النقدية بالتساوي عبر منطقة اليورو المكونة من 19 بلدا، ما يهدد "بالانقسام" بين البلدان التي تضخمت خلال أزمة الديون قبل عقد من الزمن. وفي مواجهة العلامات المبكرة المحتملة لإعادة التجربة، شعر البنك المركزي الأوروبي أنه يتعين عليه أن يتصرف.
قال إجنازيو فيسكو، محافظ البنك المركزي الإيطالي، الأسبوع الماضي إن اجتماع البنك المركزي الأوروبي الطارئ لا يشير إلى حالة ذعر. لكنه قال أيضا إن أي زيادة في العائدات الإيطالية تتجاوز نقطتين مئويتين مع نظيرتها الألمانية توجد "مشكلات خطيرة للغاية" لانتقال السياسة النقدية.
3.6 في المائة هي عائد السندات الإيطالية لأجل عشرة أعوام. ويتعين عليها إعادة تمويل عبء اقتراض يبلغ نحو 150 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
كانت نتيجة الاجتماع التزاما بتسريع العمل على أداة جديدة "لمكافحة الانقسام" – لكن مع القليل من التفاصيل حول كيفية عمل الأداة – مع إعادة استثمار السندات المستحقة بمرونة لترويض توترات سوق السندات.
يعتقد بعضهم أن هذا ليس كافيا. حيث إنه بالتأكيد لم يعد تكرار حيلة سلف لاجارد، ماريو دراجي – رئيس الوزراء الإيطالي الآن، الذي اشتهر بقلب أزمة الديون في منطقة اليورو في صيف 2012 ببساطة عبر القول إن البنك المركزي سيفعل "كل ما يلزم" لإنقاذ اليورو.
في الوقت الراهن، أوقف البنك المركزي الأوروبي التدهور السريع في السندات الإيطالية، واستقرت عوائد السندات لأجل عشرة أعوام عند نحو 3.6 في المائة مع فارق 1.9 نقطة مئوية. لكن المستثمرين يتوقون إلى الحصول على تفاصيل حول عدة أدواته الجديدة.
قال أحد كبار متداولي السندات في لندن: "كل ما فعله البنك المركزي الأوروبي (هذا الأسبوع) هو إثبات أنه يراقب الوضع. ليس لديه الريادة المستعدة أو الراغبة في القيام بما قام به دراجي. في النهاية ستختبر السوق البنك الأوروبي المركزي".
يأمل البنك أنه عبر إدخال أداة جديدة لشراء السندات سيكون قادرا على الحد من تكاليف الاقتراض بالنسبة للبلدان الأضعف، بينما يستمر في رفع أسعار الفائدة بشكل كاف لخفض التضخم.
عادة ما يكره واضعو أسعار الفائدة المتشددين في البنك المركزي الأوروبي شراء السندات، لكنهم يؤيدون فكرة الأداة الجديدة، معتقدين أنها ستخلي الطريق لرفع أسعار الفائدة بحدة أكثر. وقد رفع محللو دويتشه بنك توقعاتهم بشأن زيادات سعر الفائدة لدى البنك المركزي الأوروبي هذا العام بعد اجتماع الأربعاء، وتوقعوا أن يرفع سعر الفائدة على الودائع من سالب 0.5 في المائة إلى 1.25 في المائة بحلول كانون الأول (ديسمبر).
يقول جيمس أثي، مدير محفظة السندات في شركة أبردن: "سترفع البنوك المركزية أسعار الفائدة حتى ينهار شيء ما، لكنني لا أعتقد أنها مقتنعة حتى الآن بأن أي شيء يمكن أن ينهار".
لقد تراجعت أسعار الأصول المالية لكن من المستويات المرتفعة تاريخيا، حسب قوله، وصناع السياسة الذين كانوا حريصين في الماضي على إبقاء عملاتهم ضعيفة – نعمة للصادرات – يرفعون الآن أسعار الفائدة جزئيا لدعمها، ولإبعاد الضغوط التضخمية.
يضيف: "البنك الوطني السويسري هو خير مثال على ذلك. كل ما فعلوه طيلة عقد من الزمن هو طباعة فرنكات لا حصر لها لإضعاف عملتهم. إنه تغيير كامل".

حاجز الفائدة السلبية
تترك المفاجأة السويسرية اليابان باعتبارها الحاجز الوحيد ضد موجة من ارتفاع أسعار الفائدة، بعدما تمسك بنك اليابان يوم الجمعة بأسعار فائدة سلبية وتعهد بتثبيت تكاليف الاقتراض الحكومي لمدة عشرة أعوام بالقرب من الصفر.
135.17 ين كانت قيمة الين مقابل الدولار في 13 حزيران (يونيو)، وهو أدنى مستوى في 24 عاما. يمكن لبنك اليابان، الذي يستمر في فرض أسعار فائدة سلبية، أن يراهن على أن نوبة التضخم الحالية "عابرة" – مصطلح تخلت عنه البنوك المركزية منذ فترة طويلة في أماكن أخرى من العالم المتقدم – لأنه لا توجد مؤشرات تذكر على أن صدمة السلع تعمل على زحزحة اليابان عن علاقتها الطويلة مع ركود الأسعار في الاقتصاد الأوسع. ويحوم معدل تضخم المستهلكين في اليابان عند حوالي 2 في المائة، وهو ما يتماشى عموما مع الأهداف.
مع ذلك، اشتد الضغط من الأسواق. واضطر البنك المركزي الياباني إلى تكثيف مشترياته من السندات في وقت كانت فيه البنوك المركزية الأخرى تعمل على إيقاف تشغيل طابعات النقود، لمنع ارتفاع العائدات بسبب عمليات البيع العالمية. في الوقت نفسه، أدت فجوة أسعار الفائدة المتزايدة بين اليابان وبقية العملات إلى انخفاض الين إلى أدنى مستوى له منذ 24 عاما مقابل الدولار، ما أدى إلى انتشار القلق في الدوائر السياسية في طوكيو.
يتوقع أثي أن المتاعب الناجمة عن ارتفاع أسعار الفائدة ستكون محسوسة على الصعيد العالمي. "عندما ترتفع الأساسيات التي يحتاج إليها الجميع للعيش، مثل الغذاء والطاقة والمأوى، وبعد ذلك ترفع أسعار الفائدة، فإنك تستخدم مطرقة اقتصادية ثقيلة. إذا انتهى بهم الأمر في الواقع إلى تقديم التشديد الذي تم تسعيره، ستكون الاقتصادات في ورطة كبيرة".

الأكثر قراءة