الاحتياطي الفيدرالي .. معركة لكسب الأسواق وعقول المستهلكين

الاحتياطي الفيدرالي .. معركة لكسب الأسواق وعقول المستهلكين
جاي باول يرد على أسئلة الصحافيين.

عندما حاول جاي باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، شرح المبرر لزيادة سعر الفائدة 75 نقطة أساس في الاحتياطي الفيدرالي الأربعاء الماضي، كان يخاطب بشكل أساسي جمهورين مختلفين.
كانت إحدى المجموعات "مراقبي بنك الاحتياطي الفيدرالي"، وهم خبراء في الاستثمار مزودون بمخططات تاريخية يمكنهم تحليل اتجاهات الأسعار - وما يسمى توقعات المخطط النقطي - بعين نزيهة.
الجمهور الثاني "الأكبر بكثير" يتكون من بشر عاديين، ربما يشعر معظمهم بالحيرة بسبب ما يجري. قبل كل شيء، كما اعترف باول، "فإن جيلا كاملا من الأمريكيين يشهد تضخما حقا لأول مرة"، لأن مثل هذا التضخم لم يحدث منذ 40 عاما.
علاوة على ذلك، عادة ما يكون لدى غير الاقتصاديين فكرة غامضة عن الكيفية التي يفترض أن تعمل بها السياسة النقدية. من الصعب للغاية التأكد مما يعنيه ارتفاع معدل الفائدة 75 نقطة أساس بدلا من تفسير سعر البنزين المعروض في محطة خدمة السيارات.
هذه الفجوة في الانطباعات مهمة، كما يعرف باول جيدا. أحد أسباب رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة الأسبوع الماضي هو ظهور بيانات أسعار المستهلكين الملموسة الجمعة، التي أظهرت معدل تضخم سنوي يبلغ 8.6 في المائة.
مع ذلك، فإن العامل الثاني الكبير، وإن كان أقل ملاحظة، هو أن الجمعة الماضي قدم أيضا بيانات أظهرت أن المستهلكين يتوقعون معدلات تضخم 5.4 في المائة و3.3 في المائة على مدى العام والأعوام الثلاثة المقبلة، على التوالي، وهي زيادة حادة.
قد يرد بعض الاقتصاديين بالقول "إن الجمهور يميل إلى أن يكون سيئا للغاية في التنبؤ". يبدو أن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي متفقون على ذلك، تنبؤات مخطط المحافظين النقطي، التي تم إنشاؤها باستخدام النماذج الفنية الأساسية للعرض والطلب، تشير إلى انخفاضات مستقبلية ملحوظة في معدلات التضخم.
يأمل المرء أن تكون النماذج صحيحة. لكن مشكلة التضخم، كما لاحظ بول فولكر الرئيس الأسطوري الأسبق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، لأصدقائه، هي أنه بسهولة يمكن أن تصعب السيطرة عليه. بمعنى آخر، تصبح التوقعات تحقق ذاتها. أو بعبارة أخرى، لا يخوض باول معركة في الأسواق فقط، لكن أيضا مع عقول المستهلكين. هذه المعركة الثانية أصبحت صعبة بشكل متزايد.
لفهم السبب، فكر في عمل الاقتصاديين السلوكيين، مثل مئري ستاتمان، الذين درسوا سيكولوجية ارتفاع الأسعار في جميع أنحاء العالم. كما قال ستاتمان في ندوة عن التضخم في نيويورك الأسبوع الماضي، ردود فعل المستهلكين على اتجاهات الأسعار غالبا ما تتشوه بخمسة عوامل نفسية.
الأول، "التأطير". نظرا لأن المستهلكين يعتمدون عادة على مقاييس مثل الأسعار لتحليل الاتجاهات الاقتصادية، فإنهم يشعرون بالارتباك إذا "أدى التضخم إلى تشويه مقياس الدولار"، كما يقول ستاتمان. بالتالي، غالبا ما يستسلمون لما يسمى "وهم المال"، حيث يركزون فقط على الأسعار والمعدلات الاسمية، وليس الأسعار والمعدلات "الحقيقية" المعدلة حسب التضخم.
العامل الثاني هو "الخوف" الذي يغذيه هذا الارتباك. والثالث هو "التوافر"، أو السهولة التي يمكن "أو لا يمكن" رؤية البيانات بها. والمسألتان الرابعة والخامسة هما "التأكيد" و"التمثيل". وتشمل هاتان ميل الناس إلى ملاحظة المعلومات التي تناسب أفكارهم الموجودة مسبقا، وتفسير البيانات من خلال "الاستقراء من الماضي القريب إلى المستقبل".
كل الأنماط الخمسة مهمة الآن. أدت السرعة التي ارتفع بها التضخم إلى إرباك كثير من الناس. علاوة على ذلك، يتعرض المستهلكون للقصف من قبل بعض الأرقام المتاحة "أي المرئية"، مثل ارتفاع أسعار البنزين 60 في المائة على أساس سنوي. من الطبيعي أن يستخدموا ذلك بديلا لمعدل التضخم الأوسع، مهما كان غير دقيق، ويتوقعون ارتفاعا بدافع الخوف.
ثم هناك قضية "الانحياز التأكيدي". أظهر استطلاع أجراه مركز بيو في أيار (مايو) أن 70 في المائة من الأمريكيين ينظرون إلى التضخم على أنه "مشكلة كبيرة للغاية". مع ذلك، هناك انقسام حزبي صارخ، على الرغم من أن 84 في المائة من الجمهوريين قلقون بشأن التضخم، إلا أن النسبة 57 في المائة فقط وسط الديمقراطيين - بغض النظر عن احتمال تعرضهم لارتفاع الأسعار نفسه.
من السهل شرح ذلك: القادة الجمهوريون يتحدثون باستمرار عن التضخم لأنهم يريدون مهاجمة البيت الأبيض. وهذا بدوره يشكل انطباعات المستهلك. هذا مهم. كما يلاحظ روبرت شيلر، وهو خبير اقتصاد سلوكي آخر، أن "السرديات" التي نسجلها لأنفسنا حول الاقتصاد لا تعكس الواقع الاقتصادي فحسب، بل تصوغه بطريقة تحقق ذاتها - حتى لو كانت تلك الروايات لا تتطابق مع نماذج الاقتصاد الكلي.
إذن، ماذا يمكن أن يفعل باول؟ الأربعاء، حاول إعادة صياغة الرواية الشعبية من خلال تكرير عبارة "استقرار الأسعار" باستمرار، والتأكيد على التزام الاحتياطي الفيدرالي بها. مع ذلك، أقر أيضا بأن البنك المركزي يتتبع الآن ما يسمى التضخم الرئيس "أي الرقم الإجمالي، الذي يعكس إنفاق المستهلكين"، بدلا من مجرد التضخم "الأساسي"، وهو الرقم المعدل موسميا الذي يفضله عادة. هذه علامة على أن الاحتياطي الفيدرالي يعرف أن انطباعات العامة مهمة.
لكن الحقيقة الصعبة هي أن باول سيكافح لكسب المعركة من أجل عقول الناس - بغض النظر عن الأسواق - بينما البنزين بسعر خمسة دولارات للجالون لا يزال رقما "متاحا" بسهولة. علاوة على ذلك، لا يمكن التحكم في تكاليف الطاقة من خلال زيادة سعرها 75 نقطة أساس. ولهذا السبب فهو مصمم الآن على إبقاء نمو الأجور تحت السيطرة، حتى لو كان ذلك على حساب ارتفاع معدلات البطالة. هذا هو سبب انزلاق أمريكا على الأرجح نحو نوبة من الركود التضخمي، حتى لو لم تكن هذه الكلمة التي يستخدمها باول نفسه.

الأكثر قراءة