«صنع في اليابان» .. هل عادت مع انخفاض قيمة الين؟
أثناء كشف شركة شيسيدو النقاب عن مصنعها الجديد في ميناء فوكوكا جنوبي اليابان الشهر الماضي، تباهى ماساهيكو يوتاني، رئيسها التنفيذي، بقوة العلامة التجارية لمنتجاتها التي "صنعت في اليابان" بالنسبة إلى عملائها في آسيا.
فمنذ 2019، أنفقت الشركة العملاقة لمستحضرات التجميل 145 مليار ين "مليار دولار" لبناء ثلاثة مصانع جديدة في اليابان، ما أثار جدلا حول إذا ما كان انخفاض الين إلى أدنى مستوى له خلال 24 عاما مقابل الدولار قد أدى إلى "إعادة عمليات التصنيع إلى أرض الوطن".
هناك بعض الإثارة في سرد هذه القصة. فقد وضع فوميو كيشيدا رئيس الوزراء، الأمن الاقتصادي في صلب جدول أعماله الاقتصادية، بغرض التحفيز على استعادة الإنتاج من الخارج بنية صريحة هي تقليل اعتماد بلاده على سلاسل التوريد الصينية.
من المؤكد أن منتجات العناية بالبشرة لا تعد ضرورية للأمن القومي، إلا أن التأثير الاقتصادي الذي يدفع إلى تعزيز الصناعة المحلية لا يزال كبيرا. قالت شركة شيسيدو "إنها تخطط لاستحداث 900 فرصة عمل تقريبا في مصنعها في فوكوكا". من الناحية النظرية، قد يؤدي ذلك إلى إيجاد دورة إيجابية يزيد فيها الإنتاج والدخل وكذلك الإنفاق لمصلحة الاقتصاد المحلي.
لكن لسوء الحظ، الخطوة التي أقدمت عليها شركة شيسيدو لا تشير إلى عودة الصناعة اليابانية، على الأقل ليس بطريقة مجدية. القرار الذي اتخذه يوتاني كان قبل فترة طويلة من تدني الين، في الوقت نفسه لم تقلص شركة شيسيدو أيا من طاقتها التصنيعية العالمية في سبيل زيادة إنتاجها المحلي.
ومن غير المحتمل أيضا أن يقدم الآخرون على فك قواعد الإنتاج العالمية التي أمضوا عقودا في ترسيخها من أجل تقليل تعرضهم لتقلبات العملة. ومع سوق العمل الضيقة، فإنه ببساطة لا يوجد عدد كاف من العاملين في اليابان حتى لو أرادت الشركات إعادة الإنتاج إلى الوطن.
قد يكون هناك عدد قليل من الشركات اليابانية التي "أعادت عمليات التصنيع إلى البلاد"، لكن من المحتمل أن يقتصر ذلك على تصنيع المنتجات الراقية، على نطاق أضيق. يقول محللون "إنه من غير المرجح أن يؤدي انخفاض الين إلى قفزة في حجم الصادرات التي كان الاقتصاد الياباني يشهدها في الماضي عندما كانت العملة ضعيفة. ويعود ذلك إلى أن كثيرا من الشركات لم تعد تصنع المنتجات الأساسية بأحجام كبيرة داخل اليابان".
ضعف الين وارتفاع تكلفة السلع المستوردة يثيران معضلة محرجة لإدارة كيشيدا، وذلك قبيل موعد انتخابات مجلس الشيوخ الياباني في تموز (يوليو) المقبل.
جادل مسؤولو الحكومة والبنك المركزي بأن ضعف الين لا يزال لديه تأثير إيجابي واسع النطاق في أكثر الدول الآسيوية تقدما. غير أن الشركات الكبرى التي تمتلك عمليات خارجية وشبكة مورديها هم من سيجنون الفوائد الفورية من ذلك، حيث تتعزز الأرباح التي تحققها خارج البلاد بسبب انخفاض الين.
وبدون زيادة تدريجية في الأجور، سيؤدي ضعف الين إلى معاناة قصيرة الأجل للأسر والشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم بسبب ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة والمواد والخدمات اللوجستية. وهذا ما يفسر الضجة التي أحدثها عامة الناس الأسبوع الماضي، التي أجبرت هاروهيكو كورودا، محافظ بنك اليابان، على التراجع عن ادعائه بأن المستهلكين أصبحوا أكثر "تسامحا" مع ارتفاع الأسعار.
في استطلاع حديث أجرته وكالة أنباء كيودو، قال 64 في المائة ممن شملهم الاستطلاع "إنهم لم يروا نفعا للجهود التي بذلها كيشيدا من أجل حل مشكلة ارتفاع الأسعار"، بينما أجاب 58 في المائة بأن "كورودا، الذي يخطط للتنحي العام المقبل، لم يكن الشخص المناسب لمنصب محافظ بنك اليابان".
ومثلما كان الحال في الانتخابات الأخيرة التي جرت في أستراليا وفرنسا، ستكون تكاليف المعيشة المرتفعة هي القضية التي ستسيطر على انتخابات مجلس الشيوخ في اليابان الشهر المقبل. أما بالنسبة إلى كيشيدا، فإن استجابته لارتفاع الأسعار ستكون أيضا اختبارا لبرنامج "الرأسمالية الجديدة"، الذي تم تصميمه لمواجهة جميع التحديات التي فرضها ضعف الين.
ومنذ تعيينه العام الماضي، جادل رئيس الوزراء بأن الأشكال السابقة للرأسمالية لم تكن "شاملة" بما فيه الكفاية، لأن منافعها لم تتوزع على الشريحة الأوسع من السكان. ووفقا لمسودة أجندته الاقتصادية التي نشرت في وقت سابق من هذا الشهر، يلقي كيشيدا بعضا من اللوم على فشل الشركات في الاستثمار في موظفيها.
تظهر الأرقام الحكومية أن اليابان تنفق 0.1 في المائة فقط من ناتجها المحلي الإجمالي على الموارد البشرية للشركات، مقارنة بـ2.1 في المائة في الولايات المتحدة و1.1 في المائة في المملكة المتحدة.
وقد مر على اليابان عقد من الزمن بعد تطبيق السياسات "الاقتصادية التي وضعت في عهد شينزو آبي رئيس الوزراء السابق" التي تميزت بتسهيل نقدي قوي وتحفيز اقتصادي وضغط حكومي على الشركات لزيادة الاستثمار. لكن هذه السياسات فشلت في تحقيق نمو أسرع في الأجور لتعزيز الاستهلاك وإيجاد دورة إيجابية من الطلب والتضخم. وإذا لم يتحرك كيشيدا بسرعة، فإن الخطر الأكبر هو أن زخم نمو الأجور يمكن أن يضيع في حال أدى التضخم العالمي إلى حدوث حالة من الركود في العالم.