الاحتياطي الفيدرالي يبدأ التشديد الكمي على نطاق غير مسبوق
بدأت أخيرا المهمة الضخمة المتمثلة في تقليص الميزانية العمومية للاحتياطي الفيدرالي البالغة تسعة تريليونات دولار.
سيتوقف البنك المركز الأمريكي عن ضخ عوائد دفعة أولية بقيمة 15 مليار دولار من سندات الخزانة المستحقة، إلى سوق ديون الحكومة الأمريكية البالغة 23 تريليون دولار، وهي المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك منذ أن أطلق برنامج شراء السندات الخاص به في الأيام الأولى من جائحة فيروس كورونا.
حدد الاحتياطي الفيدرالي خططه الخاصة بالتشديد الكمي مقدما منذ وقت طويل، لكن من غير الواضح بالنسبة إلى المستثمرين مدى التأثير الذي يمكن أن يترتب على عملية لم تتم تجربتها من قبل على هذا النطاق. يمكن لهذه الخطوة أن تزيد من زعزعة استقرار سوق السندات التي تضررت بالفعل من تكهنات بأن الاحتياطي الفيدرالي يتهيأ لتسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة.
قال ريك ريدر، كبير مسؤولي الاستثمار للدخل الثابت في شركة بلاك روك: "كان الاحتياطي الفيدرالي مشتريا كبيرا وله نفوذ كبير على الاستقرار في الأسواق منذ بضعة أعوام". أضاف: "خسارة هذا الأمر، مع وجود حالة من عدم اليقين بشأن التضخم والنمو، تعني أن التقلبات في سوق أسعار الفائدة ستكون عالية. أعلى كثيرا مما شهدناه خلال الأعوام القليلة الماضية".
عدم الاستقرار في الأسواق المالية يتحدى تأكيد الاحتياطي الفيدرالي أن تقليص الميزانية العمومية سيكون عملا مملا يمكن توقعه – يشبه ذلك تصريح جانيت ييلين، الرئيسة السابقة للبنك المركزي، بأن "الأمر سيكون أشبه بمشاهدة الطلاء يجف"، الذي أدلت به في المرة الأخيرة التي شرع فيها البنك في هذه الممارسة عام 2017.
وافق أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في أيار (مايو) رسميا على وضع سقف للتخفيض بوتيرة أولية 30 مليار دولار شهريا لسندات الخزانة، و17.5 مليار دولار للأوراق المالية المدعومة برهن عقاري للوكالات، قبل تكثيفها على مدى ثلاثة أشهر إلى أقصى وتيرة تصل إلى 60 مليار دولار و35 مليار دولار، على التوالي. ويعني هذا 95 مليار دولار شهريا.
عندما ينخفض مبلغ سندات الخزانة المستحقة إلى تلك العتبة، سيعوض الاحتياطي الفيدرالي الفرق عبر تقليل حيازاته من سندات الخزانة قصيرة الأجل. وقد يتم أخيرا النظر في المبيعات النشطة للأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري للوكالات.
هذه خطة أكثر صرامة بكثير من تفكيك الميزانية العمومية الأخير في الفترة 2017 ـ 2019، الذي بدأ بعد عامين تقريبا من رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة للمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية. انتهت تلك الخطوة بكارثة: توقفت أسواق الإقراض بين عشية وضحاها، ما يشير إلى أن الاحتياطي الفيدرالي سحب كثيرا من الأموال من النظام.
مع انطلاق العملية هذه المرة، من غير الواضح تماما أين سيكون الألم، على الرغم من أن الاحتياطي الفيدرالي لديه الآن كثير من مرافق الطوارئ التي يمكنها المساعدة في تجنب تكرار فوضى السوق في عام 2019.
لقد دفع ترقب ارتفاع أسعار الفائدة – ولا سيما بعد تقريرين في الأيام الأخيرة يشيران إلى تزايد خطر أن يصبح التضخم متجذرا بشكل أعمق بكثير – عائدات سندات الخزانة إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2007. وأصبحت مؤشرات الأسهم الأمريكية الرئيسة الثلاثة في منطقة التصحيح. وتظهر فروق الأسعار على سندات الشركات الأمريكية فرصا أعلى للتخلف عن السداد.
ينظر إلى التغييرات في سعر الفائدة الرئيس للاحتياطي الفيدرالي على أنها ذات تأثير مباشر أكبر في الظروف المالية والنشاط الاقتصادي من تأثير التشديد الكمي، لكن الاقتصاديين يتوقعون أن يكون لتخفيض الميزانية العمومية تأثير كذلك.
عندما يشتري الاحتياطي الفيدرالي السندات، فإنه يقيد قيمتها لحساب البائع إلكترونيا، ويضيف بدوره احتياطيات للنظام المصرفي تمكن البنوك من زيادة إقراضها للأفراد والشركات. عبر التوقف عن إعادة استثمار عائدات محفظته من السندات، تنعكس العملية، ما يؤدي إلى احتياطيات أقل في النظام وتشديد الظروف المالية.
في ورقة نشرها البنك المركزي في وقت سابق من هذا الشهر، توقع الباحثون أن تقليص حجم الميزانية العمومية نحو 2.5 تريليون دولار على مدى الأعوام القليلة المقبلة "يعادل تقريبا" رفع معدل فائدة الأموال الفيدرالية بما يزيد قليلا عن نصف نقطة مئوية "على أساس مستدام". ومع ذلك، أنهوا النتائج التي توصلوا إليها بإفصاح مفاده أن التقدير "مرتبط بدرجة كبيرة من عدم اليقين".
قال كريستوفر والر، المحافظ في الاحتياطي الفيدرالي، في وقت سابق إن خطة البنك المركزي لتقليص ميزانيته العمومية تعادل "بضع" رفعات لسعر الفائدة بواقع ربع نقطة، في حين قالت نائبة الرئيس، لايل برينارد، في نيسان (أبريل) إن العملية في مجملها يمكن أن تساوي "زيادتين أو ثلاث زيادات إضافية في أسعار الفائدة".
يجادل بعض المحللين، ومن بينهم ميجان سوايبر، من بانك أوف أمريكا، وإدوارد الحسيني، من شركة كولومبيا ثريدنيدل، بأن تأثيرات التشديد المباشرة الناتج عن تطبيع الميزانية العمومية ـ التي وصفها كبار مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي ـ قد توقعتها السوق بالفعل وهي منعكسة في أسعار الأصول.
لكن من المرجح أيضا أن يكون لانسحاب الاحتياطي الفيدرالي تأثير ثانوي في الأسعار حيث تتدهور السيولة – السهولة التي يمكن للمستثمرين من خلالها شراء الأصول وبيعها – حيث تكافح الأسواق مع قدر أكبر من المعروض من السندات لاستيعابها.
قالت سوايبر: "ما نعلمه هو أن تدخل الاحتياطي الفيدرالي في السوق وشراء سندات الخزانة يساعد في تحسين السيولة، ويساعد في تحسين أداء السوق. الآن سنكون في بيئة حيث يوجد مزيد من الإمدادات التي تجب إزالتها، والاحتياطي الفيدرالي ليس موجودا للمساعدة".
هذا يعني أن حجم وتواتر تقلبات الأسعار قد يزدادان سوءا مع انسحاب الاحتياطي الفيدرالي من السوق، ولا سيما في سوق سندات الخزانة، حيث كان للبنك المركزي أكبر حضور. لكن نظرا لأن سوق سندات الخزانة هي العمود الفقري لجميع الأسواق المالية الأمريكية، فإن هذه الآثار تتوالى.
كانت السيولة في سوق سندات الخزانة في الأسابيع الأخيرة عند أسوأ مستوياتها منذ آذار (مارس) 2020 ـ الأيام التي سبقت اضطرار الاحتياطي الفيدرالي إلى التدخل وشراء السندات لتسهيل أداء السوق، وفقا لمؤشر بلومبيرج الذي يقيس قدرة المتداولين على تنفيذ الصفقات دون التأثير في الأسعار.