حائز نوبل 2010: الديون والتضخم يمكن أن يؤديا إلى خروجنا عن المسار

حائز نوبل 2010: الديون والتضخم يمكن أن يؤديا إلى خروجنا عن المسار
كريستوفر بيساريدس
حائز نوبل 2010: الديون والتضخم يمكن أن يؤديا إلى خروجنا عن المسار
المرونة التي يوفرها العمل عن بُعد يمكن أن تساعد العاملين الأكبر سناً على البقاء في القوى العاملة أو دخولها من جديد.

في المملكة المتحدة، وصلت البطالة إلى أدنى مستوياتها خلال نصف قرن تقريبا، لكن أعدادا كبيرة من الناس اختارت ترك القوى العاملة. وفي منطقة اليورو، معدل البطالة هو الأدنى منذ إنشاء العملة الموحدة. وفي الولايات المتحدة أدى النقص الحاد في العمالة إلى إيجاد سوق للباحثين عن عمل - على الرغم من أن الأجور لا تزال متخلفة عن معدلات التضخم.
تبدو المشكلات في أسواق العمل مختلفة تماما عما كانت عليه عندما بدأ كريستوفر بيساريدس، أستاذ الاقتصاد الفخري في كلية لندن للاقتصاد والمستشار السابق للحكومتين القبرصية واليونانية، مسيرته الأكاديمية في سبعينيات القرن الماضي - الوقت الذي كانت فيه الحكومات تكافح من أجل السيطرة على حقبة جديدة من البطالة الجماعية.
لكن بالنسبة إلى بيساريدس - الذي حاز جائزة نوبل في 2010 عن عمله في مجال الخلافات في أسواق العمل - كثير من الإجابات متشابهة، كما يتبين من هذا الحوار الذي أجريناه معه.
آنذاك، جادل بأن البطالة لا يمكن حلها عن طريق حوافز الاقتصاد الكلي، لأن سببها يعود جزئيا إلى عدم التوافق بين الوظائف ومهارات العاملين المتاحين. الآن، يؤكد أن على صانعي السياسات تخليص أنفسهم من الرغبة في معالجة المشكلات الاجتماعية من خلال التحفيز النقدي والمالي الذي من شأنه أن يغذي التضخم دون أن يحدث أي تحول أساس في قوة العاملين على المساومة.
أثناء مناقشة المراجعة الجديدة التي يقودها حول الأتمتة ومستقبل العمل في المملكة المتحدة، يجادل بأن علاجات عدم المساواة الإقليمية تكمن بدلا من ذلك في رفع مهارات الأشخاص لأدوار جديدة، واستخدام المرونة التي يوفرها العمل عن بعد لمساعدة العاملين الأكبر سنا على البقاء في القوى العاملة أو دخولها من جديد.
فيما يلي نص الحوار:
شتراوس: كريس، ما الفروق التي تراها بين هذا التعافي والتعافي الأخير بعد 2008؟ يبدو أنه في أعقاب الأزمة المالية واجهتنا مشكلة مختلفة، مع معدلات بطالة مزمنة في منطقة اليورو، ثم ارتفاع كبير في تدني جودة العمل وانعدام الأمن الوظيفي في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. كيف تعتقد أن أزمة كوفيد غيرت طبيعة التحدي؟
بيساريدس: إننا نواجه نوعا مختلفا تماما من التعافي الآن. ليس فقط بسبب كوفيد، بل أيضا لأنه تزامن مع الحرب في أوكرانيا وما يحدث لأسعار المواد. في 2008، كان الركود متركزا على القطاع المالي، وكانت تداعياته الرئيسية في البناء أو الإسكان (...) وعند وضع "هذين القطاعين" تحت السيطرة (...) كان التعافي سيأتي من تلقاء نفسه، مثلما حدث.
أعتقد كانت هناك أخطاء، كسياسات تخفيض الديون لجورج أوزبورن "وزير مالية المملكة المتحدة آنذاك". بالطبع، أعتقد أنه كان خطأ كبيرا. إنه أول شيء ظهرت فيه في الصحافة في عناوين الأخبار - عندما كتبت أن الحائز الجديد جائزة نوبل في بريطانيا يقول إن هذا خاطئ ولن تكون المخاطر السيادية عالية لدرجة تبرر هذا النوع من السياسات. هذا هو ما أدى إلى تباطؤ الانتعاش، بدلا من الاقتصاد نفسه. والمهم أيضا، لم يكن هناك تضخم في ذلك الوقت. لذلك، كان يمكننا استخدام هذه السياسات النقدية التوسعية كما نريد، لإخراجنا من الركود ولم تكن هناك مخاطر تضخمية.
أما الآن، فإننا نواجه مشكلة أن هناك ديونا أكثر. لذلك، قد يكون هناك ما يبرر بعض تخفيض الديون قبل أن تخرج عن نطاق السيطرة - على الرغم من أنني حتى وقت قريب، كنت أعتقد أنه لم يكن هناك ما يبرر هذا بعد. وبالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة وانتشارها في الاقتصاد، ومع التوسع الهائل في مخططات الإجازات والأشياء الأخرى أثناء الجائحة على المستوى الدولي، أدى ذلك إلى إيجاد حالة قد نواجه فيها مخاطر يمكن أن تخرج عن نطاق السيطرة. يمكن أن يؤدي وضع الديون - الديون والتضخم مجتمعين - إلى فقدان السيطرة على الإدارة الكلية وإلى عدم قدرتنا على السيطرة على الاقتصاد بسرعة كافية.
علاوة على ذلك، هناك تغييرات تكنولوجية تحدث. كانت تحدث بشكل مستقل في الاقتصاد بسبب الأتمتة والروبوتات وما إلى ذلك، لكن كوفيد أحدث تغييرات تكنولوجية جديدة. أضيفي إلى ذلك أن الصين هي الشريك التجاري الرئيس للمملكة المتحدة خارج أوروبا، ودخولها في حالة إغلاق تبدو أبدية، وما يحدث مع إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد الأخرى. هناك عديد من الأشياء التي تحدث في وقت واحد لدرجة تجع المهمة صعبة للغاية، ومعرفة كيفية تنسيق السياسات وكيفية التحكم في الاقتصاد من أجل تحقيق انتعاش سريع بما يكفي ودون تكاليف كبيرة، خاصة بالنسبة إلى أولئك الذين يعيشون على مداخيل منخفضة، وعدم المساواة التي نراها في جميع أنحاء بريطانيا.
شتراوس: هل تعتقد أنه لا يزال من الممكن لصانعي السياسات السعي لمعالجة المشكلات الاجتماعية من خلال توسيع طاقة الاقتصاد كي يلبي جميع المطالب من جميع الجهات؟ أم أن فكرة إدارة اقتصاد تحت ضغط مرتفع لم تعد واقعية بعد الآن؟
بيساريدس: إن المشكلة في توسيع طاقة الاقتصاد للتعامل مع هذه المشكلات هي أنه قد يؤدي إلى مزيد من التضخم. وسيؤثر ذلك في الأشخاص الذين تحاول مساعدتهم تحديدا. إن الحل الوحيد الذي أراه هو شيء مشابه لسياسة الإجازات، لكنه موجه للقوة العاملة ذات الدخل المنخفض - لأن لديك هذه الضربة المزدوجة من "التضخم" والتكنولوجيات الجديدة، التي تضرب بشكل رئيس الدخول المنخفضة والوظائف التي لا تتطلب مهارات. هذا هو قسم الاقتصاد الذي يحتاج إلى القليل من المساعدة، لكنه لا يحتاج إلى سياسة مالية - المساعدة من نوع السياسة المالية الكلية العامة - لأن التضخم يمثل قيدا حقيقيا.
شتراوس: هل الأتمتة لا تزال تشكل أكبر تهديد للعاملين ذوي الدخل المنخفض أم أننا نواجه موقفا يعني فيه نقص العمالة أنها ظاهرة حميدة؟
بيساريدس: أعتقد أننا وصلنا إلى نقطة حيث ستعمل الشركات على الأتمتة بسبب نقص العمالة. أعلم أن الزراعة قطاع صغير، لكن كثيرا من العمالة الزراعية الموسمية في المملكة المتحدة كانت عمالة مهاجرة، وهو أمر أكثر صعوبة الآن (...) لن يلوم أحد شركة تعتمد على هذا النوع من العمل على الأتمتة.
لا أعتقد أنه إذا تم اتخاذ تدابير أخرى في الوقت نفسه - تحسين المهارات والانتقال إلى أنواع جديدة من الوظائف حيث يوجد نقص في العمالة أن هذا يشكل مجازفة. المهارات المطلوبة في الوظائف الجديدة تختلف عن تلك التي استحوذت عليها تكنولوجيا الأتمتة. قد تكون فنية أكثر قليلا. وتعتمد أكثر على التفاعل الاجتماعي، كما هي الحال في صناعة الضيافة والصحة والرعاية (...) لكنها تحتاج إلى التدريب. هناك أيضا وظائف يوجد فيها كثير من الاختلافات التقليدية بين الجنسين التي قد يستغرق التخلص منها وقتا.
هذه الأشياء هي مشكلات تحتاج إلى معالجة، لكن إذا تم التعامل معها بشكل صحيح، فستكون الأتمتة جانبا مرحبا به في كيفية إدارتنا لسوق العمل. سترتفع الإنتاجية ولا يوجد سبب يجعلنا نمتلك عدم المساواة الموجود لدينا، لأن الوظائف الجديدة ستتطلب مهارات أكبر.
قد تسألين، كيف يمكننا تقديم هذا النوع من المساعدة؟ أعتقد أن دور الحكومة يأتي هنا. إذا كانت ستعثر على أموال لدعم سوق العمل، فهذا هو المكان الذي يجب أن يتم توجيهها إليه - تحسين المهارات، وتقديم معلومات حول الانتقال إلى أنواع جديدة من الوظائف وتقديم الإعانات للشركات التي تدرب موظفيها.
شتراوس: في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لدينا بطالة منخفضة للغاية إلى جانب وظائف شاغرة عالية للغاية ومشاركة أقل. ما الذي ينبغي للحكومات أن تفعله لتعزيز التوظيف؟
بيساريدس: عبر برامج التدريب والشؤون الأخرى المتعلقة بكيفية التعرف على مقدار مناسبة أنواع الوظائف الجديدة لك (...) حملة دعائية بأن رواتب هذه الوظائف جيدة وما إلى ذلك. عندها سيكون هناك مزيد من المشاركة. خاصة من النساء والعاملين الأكبر سنا، لأنه على الرغم من زيادة مشاركة الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 عاما، إلا أنها لا تزال منخفضة للغاية إذا قارنتها بمتوسط العمر الصحي المتوقع. قد يرتفع ذلك إذا كانت هناك أنواع أكثر مرونة من الترتيبات المعمول بها. وعندما يحدث هذا يمكن دمجه مع مزيد من الأتمتة في الطرف الأدنى من السوق غير الماهرة.
شتراوس: إذا كان نقص اليد العاملة سيظل باقيا لفترة من الوقت، فهل تعتقد أننا سنشهد تحولا حقيقيا في قدرة العاملين على المساومة وتحقيقهم للشروط التي يطالبون بها؟
بيساريدس: حسنا، من ناحية، قد نعتقد أننا سنرى ذلك يتحقق لأن هناك طلبا مرتفعا بشكل غير مسبوق على اليد العاملة، في ظل هذه الظروف الحالية. لكن من ناحية أخرى، يشعر العاملين أنهم مهددون بشكل أكثر من قبل التكنولوجيات الجديدة وكل تلك الأحداث الصادمة غير المتوقعة - مثل كوفيد، والحرب في أوروبا. لذلك، لا أراهم ولا حتى نقاباتهم، يتصرفون بعدوانية عبر الضغط من أجل زيادة الأجور دون شعورهم بالقلق حيال الوظائف. فهذه العقلية، على ما أعتقد، قد ولى عهدها.
غير أنني أرى قوى السوق تدفع في هذا الاتجاه، لأن أرباب العمل الذين يعتقدون أن لديهم شركات جيدة ولا يمكنهم في الوقت نفسه أن يعثروا على عاملين، قد يرفعون الأجور. لكن مرة أخرى أقول، إن ذلك يعتمد إلى حد كبير على ما إذا كانت برامج التدريب متوافرة وما إذا كانت عمليات الانتقال التي سيقدم عليها العاملون يمكن تنفيذها.
شتراوس: هل ترى أي سبب للاعتقاد بأن اتجاه نمو الإنتاجية البطيء في المدى الطويل سيتغير بعد أن تنتهي جائحة كوفيد - وماذا يعني ذلك بالنسبة إلى السياسة النقدية؟
بيساريدس: من المؤكد أنها ليست موجودة في بيانات الإحصاء حتى الآن، لكنك قد تعتقد أننا إذا تصرفنا بطريقة صحيحة تجاه الإمكانيات التي تقدمها التكنولوجيات الجديدة، فسيحدث "الانتعاش"، على الأقل في التصنيع وقطاعات أخرى مثل التمويل. لكن بطريقة ما، فإننا لا نرى ذلك يحدث في بريطانيا بقدر ما يحدث في ألمانيا، مثلا، أو في فرنسا أو في بعض الدول الأصغر حجما مثل السويد، أو حتى خارج أوروبا، كاليابان.
فعلى الصعيد الدولي (...)علينا أن نكون واقعيين بشأن السياسة النقدية. كانت معدلات الفائدة لدينا تقترب من الصفر لفترة طويلة لدرجة أننا أصبحنا نعتقد أن هذا هو العرف الدائم، لكنه ليس كذلك. المال له معدل للعائد - وهذا ما يحفز الاستثمار. ينبغي أن ينعكس هذا العائد على سياسة سعر الفائدة الذي يحدده البنك المركزي. بمعنى آخر، كانت الظروف غير العادية هي السبب في جعل أسعار الفائدة تنخفض للغاية.
أما هنا "في المملكة المتحدة"، ومع تحديد سعر 1 في المائة للفائدة "قبل الزيادة الأخيرة" من قبل البنك المركزي، فقد شعرنا بالذعر وكأن لسان حالنا يقول، "يا إلهي، التضخم المصحوب بالركود قادم إلينا. هذا مؤكد. ماذا عسانا أن نفعل؟" لكن فائدة قيمتها 1 في المائة لا تزال أقل مما قد نعده توازنا طويل المدى.
شتراوس: إذن، هل تبدو الحالة الطبيعية الجديدة في مرحلة ما بعد كوفيد أشبه بالحالة الطبيعية القديمة؟
بيساريدس: أجل، أعتقد ذلك. مع مزيد من المال وجودة أفضل للمال، ومزيد من الأتمتة، وآمل كذلك أن نرى مزيدا من المرونة في أسواق العمل من حيث الوظائف، وساعات العمل، وتأدية العمل من المنزل. والأشكال الجديدة من برامج التدريب، وإعادة التفكير في نظام التعليم من أجل تقديم تعليم رقمي أفضل. والتسهيلات التي تساعد كبار السن على المشاركة، التي قد تشمل (...) المرونة في ساعات العمل، لأننا نعلم أن كبار السن هم أكثر المستخدمين للخدمات الصحية، مثلا. إذا كنت تعمل من الساعة التاسعة إلى الخامسة كل يوم، فسيصبح ذلك صعبا، لكن إذا كانت هناك مرونة أكبر في كيفية تعديل ساعات العمل، حتى لو كانت تقترب من 35 ساعة في الأسبوع أو أيا كان عدد ساعات العمل بدوام كامل، فسيأتي مزيد من العاملين إلى السوق.
شتراوس: لقد قلت أخيرا إن تجربة الناس في العمل يتم تحديدها إلى حد كبير بحسب المكان. هل يظل هذا صحيحا أيضا إذا كانت لدينا نسبة أعلى من العمل عن بعد والانتقال بعيدا عن المراكز الحضرية؟
بيساريدس: هذا هو أحد الموضوعات الرئيسة للمشروع الذي تمولنا مؤسسة نافيلد لإجراء أبحاث بشأنه في "معهد مستقبل العمل". لدي فكرتان عن هذا الموضوع. ليس هناك شك في أنه إذا كنت في منطقة من بلدك تجد فيها عدة وظائف مختلفة، فستحصل على معدل عائد بحسب خبرتك أعلى منه لو كنت في مكان آخر.
لقد شاركت في عديد من الدراسات التي تظهر أن أكبر المكاسب التي تحققها الخبرة هي في الأماكن حيث تكون هناك منفعة تأتي من الاقتراب من الجهات الاقتصادية الأخرى الفاعلة والتداعيات الحاصلة بسبب الانتقال من وظيفة إلى أخرى. ذلك يمنحك إمكانية تغيير وظيفتك، أو إذا كان صاحب العمل لا يريد أن يخسرك عندما يكون هناك بديل يحل مكانك، فمن المرجح أن يوفر لك تدريبا جيدا ويجعل تجربتك أكثر نفعا.
شتراوس: ما نوع هذه الأماكن؟
بيساريدس: لندن هي الأولى هنا. ثم باريس في فرنسا. أما الولايات المتحدة فلديها أكثر من مدينة، وذلك بسبب حجمها - مثل نيويورك ولوس أنجلوس وسان فرانسيسكو حتى تكساس وهيوستن وبالطبع بوسطن - وكذلك منطقة ماساتشوستس. لكن في بريطانيا، لا يكاد يوجد فيها أي شيء خارج منطقة لندن ودائرة النفوذ المحيطة بها. فرنسا كذلك تماما - فباريس والمنطقة المحيطة بها هي المهيمنة تماما.
لكن السؤال الصعب حقا الآن هو، بالنظر إلى التكنولوجيا الجديدة لدينا، وفي حال اتجهنا نحو مرونة أكثر في العمل، هل يمكن أيضا تحقيق هذه الفوائد في مكان آخر. أتمنى لو كان ذلك صحيحا. نحن نعرف من الجغرافيا الاقتصادية أنك بحاجة إلى التركيز - حتى في الولايات المتحدة. لكن هل نحتاج حقا إلى مركز حضري واحد كبير فقط؟ من الواضح أن الجواب هو لا. في المملكة المتحدة، يمكن أن تكون المدن مثل مانشستر وليفربول وبيرمينجهام وكوفنتري وولفرهامبتون ونيوكاسل وصندرلاند مراكز حضرية يستفيد منها الناس الذين يعيشون في المناطق المحيطة بها ويعمل الناس فيها عن بعد مع المراكز الكبرى الأخرى.
هذا ما نعمل عليه في الوقت الراهن. وكلي أمل في أن يتحقق ذلك. فمن حيث المبدأ، لا يوجد سبب يمنع أن يكون لدينا ثلاثة أو أربعة مراكز حضرية بدلا من واحد، مثلا. لأن ذلك سيمكن الناس من البقاء فيها عوضا عن أن يجبروا على الهجرة من أجل أن يحصلوا على وظائف أكثر نجاحا.
شتراوس: ما الذي تأمل في اكتشافه من المراجعة؟
بيساريدس: لماذا توجد فجوات كبيرة في الإنتاجية وبشكل عام في تلك الوظائف التي يتم إنشاؤها في أنحاء مختلفة من البلاد. النتائج الأولية والتفكير الذي توصلنا إليه يقول إن هذا يرجع بشكل جزئي إلى المهارات المختلفة والتنوع في اليد العاملة الموجودة في جميع أنحاء بريطانيا. وهذا يعود فقط إلى الهجرة لحد ما.
هناك أيضا مناطق لا توجد فيها عقلية أن التعليم هو شيء جيد لذلك فلنحصل على مزيد من التعليم. إن إحدى نتائج البحث الذي جرى عبر الأجيال أن ما قام به والداك كان له بالغ الأثر. في المناطق التي اعتاد الآباء فيها على ترك المدرسة في سن الـ16 من أجل العمل في التصنيع واستخراج الفحم وبناء السفن وما إلى ذلك، ترى أن هذا قد انتقل إلى الجيل التالي.
لذلك، هذا من الأمور المعيقة جدا. ثم هناك هجرة خريجي الجامعات، التي تترك فيها فئات كبيرة بعض المناطق. من الواضح أن لندن والجنوب الشرقي هما أكثر المناطق جذبا بالنسبة إليهم.
ثم هناك جانب آخر لم نحقق فيه بشكل كامل بعد، وهو لماذا لا يتبنى أصحاب العمل في بعض الأماكن أحدث تكنولوجيا موجودة؟ مثلا، لماذا يوجد كثير من الشركات الناشئة ذات قيمة تزيد على مليار دولار في الجنوب الشرقي من البلاد أكثر من منطقة مانشستر؟ إننا نحاول اكتشاف ذلك من خلال جمع واستقراء بياناتنا الخاصة.
شتراوس: خارج المملكة المتحدة، كان أحد الأمور المدهشة حقا بشأن انتعاش سوق العمل هو كيف أن الأمور تبدو على ما يرام في منطقة اليورو، حيث تراجعت البطالة إلى أدنى مستوياتها منذ تأسيس منطقة اليورو. ما رأيك في ذلك وما الذي يجب فعله من أجل الاستفادة القصوى من ذلك؟
بيساريديس: منطقة اليورو أكثر مرونة من حيث سوق العمل لأنها لا تزال تضم عددا كبيرا من اليد العاملة ذات الأسعار المعقولة "القادمة من دول أوروبا الشرقية" ولا تزال هناك أعداد كبيرة من الناس يعانون عجزا في العمالة في دولهم أو في وظائف معينة. ولا تزال معدلات توظيف الإناث في جنوب أوروبا منخفضة للغاية ومع ارتفاع مستويات التعليم، فإن هذه النسبة سترتفع. إجمالا، إن أساسيات سوق العمل في منطقة اليورو هي أفضل بكثير من أي مكان آخر تقريبا في العالم المتقدم.
لقد كانت المشكلات التي واجهتها منطقة اليورو في الماضي تتعلق أكثر بالاتحاد النقدي وما إذا كان سعر الصرف الواحد مفيدا لجميع الدول. لكن يبدو أن التعديل حدث بالفعل. لقد ترأست لجنة أعدت تقريرا قدمته للحكومة اليونانية، نظرت في هذه الأمور بتعمق كبير غير أن أسعار الصرف والمسائل المالية لم تكن تشكل أي عائق في الواقع. العوائق كانت مرتبطة أكثر بدمج القطاع العام في التنظيم والانفتاح المهني - وجمود السوق التقليدية القديمة في جنوب أوروبا.
إلا أن هذه المسائل قد تم إصلاحها بالتدريج. كانت الصدارة لإسبانيا، وكذلك إيطاليا تقوم بذلك تحت إدارة ماريو دراجي، فيما بدأت اليونان بالإصلاحات الآن. عندما ترى كل هذه الأشياء تحدث مع قيام البنك المركزي الأوروبي بوضع الجانب المالي تحت السيطرة، فستجد أن هناك احتمالات أفضل ستشهدها منطقة اليورو.

الأكثر قراءة