أخطاء السياسة .. أصداء قوية لفترة السبعينيات القاسية

أخطاء السياسة .. أصداء قوية لفترة السبعينيات القاسية

التضخم المرتفع بشكل غير متوقع، والحروب في المناطق الرئيسة المنتجة للسلع الأساسية، وانخفاض الأجور الحقيقية، وتباطؤ النمو الاقتصادي، والمخاوف من تشديد السياسة النقدية، والاضطراب في أسواق الأسهم - نشهد كل هذه الأمور في الاقتصاد العالمي اليوم. كانت هذه أيضا السمات المهيمنة على الاقتصاد العالمي في السبعينيات. انتهت تلك الفترة في أوائل الثمانينيات، مع تشديد نقدي حاد في الولايات المتحدة، وانخفاض حاد في التضخم، وموجة من أزمات الديون في الدول النامية، وعلى وجه خاص في أمريكا اللاتينية. أعقب ذلك تغيرات كبيرة في السياسة الاقتصادية، تم دفن الاقتصاد الكينزي التقليدي، وتحرير أسواق العمل، وخصخصة الشركات المملوكة للدولة، وانفتاح الاقتصادات على التجارة.
ما مدى قرب أوجه التشابه، ولا سيما مع السبعينيات، وما الاختلافات، وماذا يمكن أن نتعلم من تلك الأخطاء؟
تقرير الآفاق الاقتصادية العالمية الصادر عن البنك الدولي، الأسبوع الماضي، يعالج هذه الأسئلة.
أوجه التشابه واضحة، وكذلك الاختلافات. ليس أقلها، أن هناك أخطاء يجب تجنبها، لا تفرط في التفاؤل، ولا تستخف بالتضخم المرتفع، ولا تترك الفئات والاقتصادات الضعيفة بلا حماية من الصدمات نفسها وموروثاتها المؤلمة.
هل ما نشهده يرقى بالفعل إلى مستوى الركود التضخمي، الذي يعرف بأنه فترة طويلة من التضخم الأعلى من المتوقع والنمو الأقل من المتوقع؟ الجواب "ليس بعد"، لكنه خطر محتمل.
التضخم أعلى بكثير من الهدف في كل مكان تقريبا. وكما في السبعينيات، يرجع هذا جزئيا إلى صدمات لمرة واحدة. في السابق حربان في الشرق الأوسط "حرب أكتوبر 1973 والحرب الإيرانية العراقية التي بدأت في 1980"، وهذه المرة كوفيد والحرب الروسية الأوكرانية. الأهم من ذلك هو الخطر المتمثل في أن هذا التضخم سيصبح جزءا لا يتجزأ من التوقعات وكذلك من الاقتصادات. ازدياد هذا الخطر في السبعينيات يرجع جزئيا إلى الفشل في التعرف في الوقت المناسب على التباطؤ في معدل النمو المحتمل. واليوم أيضا، يفترض المتفائلون أن اتجاهات النمو في فترة ما قبل الجائحة ستستمر. لكن البنك الدولي يقول "خلال عشرينيات القرن الـ21 ككل، من المتوقع أن يتباطأ النمو العالمي 0.6 نقطة مئوية عن متوسط العقد الثاني من هذه الألفية".
إذن، أوجه التشابه مع السبعينيات كبيرة، التضخم الأعلى من المتوقع، والصدمات الكبيرة، والنمو الضعيف. لكن الاختلافات مشجعة أيضا، قفز السعر الحقيقي للنفط بشكل أكبر بين 1973 و1981 مقارنة بالفترة الزمنية الحالية. كما أن قاعدة التضخم العالمية أقل اتساعا بكثير مما كانت عليه في السبعينيات. وهذا ينطبق بشكل خاص على التضخم "الأساسي". مع ذلك، قد يكون السبب في ذلك أننا في مرحلة مبكرة من عملية التضخم. ومن المرجح أن يتوسع التضخم كلما استمر.
كما أن أطر السياسة النقدية أكثر مصداقية وأكثر تركيزا على استقرار الأسعار مما كانت في السبعينيات. لكن هذا الأخير، أيضا، أصبح أقل صحة أخيرا، ولا سيما في الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، توقعات التضخم في السبعينيات، مثلا، كانت بالتأكيد لا تتعلق بالتضخم الذي حدث لاحقا. آنذاك كان صانعو السياسة يميلون إلى إرجاع التضخم إلى عوامل مؤقتة أيضا، تماما كما شهدنا أخيرا. صحيح أن الاقتصادات أكثر مرونة الآن من السبعينيات. لكن تصاعد الحمائية قد يؤدي إلى حركة عكسية في هذا الجانب. من المؤكد أن كثافة الطاقة انخفضت منذ ذلك الحين أيضا. لكن أسعار الطاقة لا تزال مهمة. وأخيرا، من المتوقع أن تكون السياسة النقدية أقل توسعا هذه المرة، على الرغم من أنها كانت توسعية جدا في 2020 و2021.
بشكل إجمالي، الافتراض القائل إن الأمور ستكون مختلفة للغاية هذه المرة معقول، لكنه بعيد كل البعد عن اليقين. علاوة على ذلك، ثبوت صحته يعتمد على ما يفعله صانعو السياسة. ينبغي أن يتجنبوا خطأ السماح للتضخم بالخروج عن السيطرة، كما فعلوا في السبعينيات. وينبغي أن يكون لديهم الوقت لفعل ذلك. لكن التصرف بشكل حاسم يوجد مخاطر أيضا، أكثرها وضوحا خطر التباطؤ الحاد غير الضروري، مع التكاليف الاقتصادية التي تتبعه. في المقابل، من المحتمل أن تؤدي التحولات الديموغرافية، وتباطؤ التغير التكنولوجي، وتراجع العولمة، واستنفاد فرص النمو المهمة، وزيادة الشعبوية إلى إضعاف قوى كبح التضخم على المدى الطويل. وهذا من شأنه أن يجعل تحقيق التضخم المنخفض واستدامته أكثر صعوبة.
ينشأ خطر واضح في واحدة من النواحي التي يبدو فيها الاقتصاد العالمي أكثر ضعفا مما كان عليه قبل 40 عاما، حجم مخزون الديون، ولا سيما الديون المقومة بالعملات الأجنبية. ومن المهم أن هذا لا ينطبق فقط على الدول الناشئة والنامية. اليورو، أيضا، في جوهره عملة، أجنبية بالنسبة إلى دولة عضو في منطقة اليورو ضربته الأزمة.
إذا كان تشديد السياسة النقدية كبيرا وطويل الأجل، فمن المحتمل أن تظهر أزمات ديون فوضوية ومكلفة. ومن المعتقد على نطاق واسع أن المقرضين في وضع أفضل لتلقي مثل هذه الضربات مقارنة بوضع البنوك الدولية في أوائل الثمانينيات. لكن قد لا يكون المقترضون كذلك، يجب على المرء افتراض أن أولئك الذين عليهم الخيار بين واردات الأغذية والطاقة، من ناحية، وخدمة الديون، من ناحية أخرى، سيختارون الأول بالطبع.
من المفرط في التفاؤل التأكيد أن الصدمات التي يتعرض لها الاقتصاد الحقيقي نفسها قد انتهت. قد تكون للفيروس مشكلات أكثر ترويعا في جعبته. علاوة على ذلك، لا أحد يعلم كيف ستتطور الحرب. فضلا عن أن بعض الإجراءات التي تجري مناقشتها، ولا سيما فرض حظر على التأمين البحري على شحنات النفط الروسي، قد تؤدي إلى مزيد من القفزات في أسعار النفط العالمية. قد تقطع روسيا أيضا صادراتها من الغاز عن أوروبا، ما يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات.
في السبعينيات كنت أعمل خبيرا اقتصاديا لدى البنك الدولي. أكثر ما أتذكره عن تلك الفترة هو حالة عدم اليقين السائدة آنذاك، لم تكن لدينا أي فكرة عما سيحدث لاحقا، لقد تم ارتكاب كثير من الأخطاء، بعضها بسبب المبالغة في التفاؤل، وبعض آخر بسبب الهلع. الماضي لا يكرر نفسه، لكنه يقترب من ذلك.

الأكثر قراءة