رفع أسعار الفائدة يثير رياحا عكسية في سوق الإسكان العالمية

رفع أسعار الفائدة يثير رياحا عكسية في سوق الإسكان العالمية
من المتوقع أن تنمو أسعار المنازل بشكل أبطأ في 2023 في معظم الدول.

أدت سلسلة من الزيادات المستمرة في أسعار الفائدة من جانب عدد من البنوك المركزية في العالم إلى الضغط على مفتاح الإيقاف في مضخة كانت تضخم أسعار المنازل العالمية بسرعة.
يتوقع الخبراء أن تنهي الزيادات الارتفاع السريع في أسعار المساكن الذي استمر على مدى عامين وأن يتباطأ نمو الأسعار بشكل حاد. مع ذلك، طفرة الإسكان الناجمة عن الوباء لم تنته بعد.
لا تزال عروض العقارات في لندن تجتذب حشودا من المشترين المحتملين، ولا تزال أسعار المنازل تتجاوز الأسعار المطلوبة بكثير. تظهر ضغوط مماثلة في الأسواق الأخرى. في الولايات المتحدة، ارتفعت أسعار المساكن بمعدل سنوي 20.6 في المائة في آذار (مارس)، وهو أسرع ارتفاع منذ أن بدأت الأرقام القياسية قبل أكثر من 35 عاما.
في الربع الأخير من 2021، ارتفعت أسعار المنازل الحقيقية في 38 دولة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ـ نادي اقتصادات الدول الغنية ـ 16 في المائة في غضون عامين، وهي أسرع وتيرة منذ أن بدأت السجلات قبل 50 عاما. جاء كثير من الزخم في نمو الأسعار من سياسات أسعار الفائدة المنخفضة التي اعتمدتها البنوك المركزية للتخفيف من الأضرار الاقتصادية الناجمة عن جائحة فيروس كورونا. أدت إجراءات البنوك إلى خفض تكاليف خدمة الرهون العقارية في وقت كان فيه كثير من الأسر يوفر المال أثناء عمليات الإغلاق. كذلك أدت زيادة الأعمال المنزلية إلى ارتفاع الطلب، وبالتالي ارتفاع الأسعار.
على النقيض من ذلك، في الأشهر الأخيرة، دفع أعلى تضخم في أسعار المستهلكين منذ عقود عديدا من البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة الرسمية، محددة بذلك معيارا للنظام المالي الأوسع. معدلات الرهن العقاري التي يفرضها المقرضون على مشتري المنازل آخذة في الارتفاع استجابة لذلك.
في الولايات المتحدة، ارتفع معدل الرهن العقاري لـ30 عاما لدى "فريدي ماك" إلى 5.23 في المائة في أيار (مايو)، وهو أعلى معدل منذ 2009.
في المملكة المتحدة، ارتفع متوسط معدل الرهون العقارية المسحوبة حديثا إلى 1.82 في المائة في نيسان (أبريل)، بزيادة 32 نقطة أساس عن أدنى مستوى مسجل في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. وظهرت بالفعل بعض علامات تباطؤ ضغوط الأسعار.
في الولايات المتحدة، تراجعت معنويات البناء في أيار (مايو) وانخفضت مشتريات منازل الأسرة الواحدة 17 في المائة في نيسان (أبريل) مقارنة بالشهر السابق، وهو الأضعف منذ نيسان (أبريل) 2020، وفي المملكة المتحدة، انخفضت موافقات الرهن العقاري في نيسان (أبريل) إلى أدنى مستوى خلال عامين تقريبا، وتباطأ النمو السنوي لأسعار المنازل بشكل ملحوظ إلى 9.8 في المائة في العام حتى آذار (مارس)، متراجعا من 11.3 في المائة في شباط (فبراير).
ومن المرجح أن تؤدي زيادة أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية إلى ارتفاع معدلات الرهن العقاري. وتتوقع الأسواق الآن أن ترفع البنوك المركزية أسعار الفائدة بما لا يقل عن 100 نقطة أساس بحلول نهاية هذا العام، أو أوائل العام المقبل، في منطقة اليورو وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. ويتوقع معظم المتنبئين أن تؤدي مثل هذه الارتفاعات إلى تباطؤ حاد في معدلات نمو أسعار المساكن. تقول باربرا ريسموندو، نائبة الرئيس الأولى في وكالة موديز للتصنيف الائتماني، "نتوقع أن يتباطأ تضخم أسعار المنازل في كل من الولايات المتحدة وأوروبا نتيجة لارتفاع معدلات الرهن العقاري والضغط على القدرة على تحمل الديون".
من جانبه، حذر البنك المركزي الأوروبي في أيار (مايو) من أن "الزيادة المفاجئة" في أسعار الفائدة الحقيقية قد تؤدي إلى "تصحيح" أسعار المنازل في المدى القريب. أندرو بيلي، محافظ بنك إنجلترا، اتخذ وجهة نظر مماثلة. قال لأعضاء لجنة الخزانة في مجلس العموم في أيار (مايو)، "سيكون اتجاه السفر أن تؤدي زيادة أسعار الفائدة إلى بعض الهدوء في سوق الإسكان". إضافة إلى ارتفاع تكاليف الرهن العقاري، يقول اقتصاديون إن العوامل التي تسهم في تباطؤ تضخم الإسكان تشمل تآكل الدخل الحقيقي بسبب التضخم والأثر الضار للطفرة السابقة في قدرة الأسر على الادخار. نتيجة لذلك، تتوقع شركة أكسفورد إيكونوميكس الاستشارية أن تنمو أسعار المنازل بشكل أبطأ في 2023 في معظم الدول - وأن بعض الدول ستشهد انكماشات مباشرة. يقول جيمس نايتلي، الاقتصادي في "آي إن جي"، إن النمو السريع لأسعار المنازل في الولايات المتحدة خلال العامين الماضيين يمكن أن "يتلاشى بسرعة وربما ينعكس".
في المملكة المتحدة، يتوقع أندرو ويشارت، كبير الاقتصاديين العقاريين في "كابيتال إيكونوميكس"، أن تنخفض الأسعار في 2023 و2024، مع انخفاض تراكمي 5 في المائة، مشيرا إلى أن ذلك من شأنه أن "يعكس خمس الارتفاع في أسعار المساكن منذ أن بدأ الوباء". مع ذلك، يتوقع قلة من المتنبئين حدوث انكماش عالمي حاد في أسعار العقارات مثل ذلك الذي حدث خلال الأزمة المالية في 2008- 2009، عندما انخفض النشاط الاقتصادي والدخل في جميع أنحاء العالم. أدت تلك الأزمة إلى انخفاض أسعار المساكن لخمسة أعوام في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وكان هناك ارتفاع في عمليات إعادة الممتلكات، ولا سيما في الولايات المتحدة. يقول إيان شيبردسون، كبير الاقتصاديين في "بانثون مايكروإيكونوميكس"، إن الظروف الحالية "ليست مثل 2006. رفع أسعار الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي لن يجبر مالكي المنازل الحاليين على البيع بأعداد كبيرة، لأن قلة قليلة من مشتري المساكن في الأعوام الأخيرة حصلوا على قروض عقارية ذات معدل قابل للتعديل". شعبية الرهون العقارية ذات معدلات الفائدة الثابتة تحمي عديدا من عملاء الرهن العقاري من آثار ارتفاع أسعار الفائدة.
في الولايات المتحدة، أصبح الرهن العقاري السكني ذو السعر الثابت لمدة 30 عاما هو المنتج الأكثر شعبية. ومع أن الدول الأخرى لديها نسب أقل من الرهون العقارية ذات السعر الثابت، إلا أن الحصة زادت في العقود الأخيرة على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. توفر أيضا التحسينات في جودة قروض الرهن العقاري أسبابا إضافية للتفاؤل النسبي. تظهر بيانات صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أن أكثر من ثلثي الأشخاص الذين حصلوا على قروض عقارية جديدة في الولايات المتحدة يتمتعون بدرجة ائتمانية عالية، أكثر من ضعف النسبة قبل الأزمة المالية.
علاوة على ذلك، معدلات البطالة المنخفضة تاريخيا ونقص المنازل المعروضة للبيع تدعم الطلب على السكن في معظم الاقتصادات المتقدمة. عدد العقارات السكنية المعروضة للبيع في الولايات المتحدة عند مستوى قياسي منخفض تقريبا، وفقا لـ"ريدفاين"، وسيطة الرهن العقاري التي تتبع البيانات منذ 2012.
في المملكة المتحدة، أفادت الجمعية المهنية للمساحين بأن رصيد المساكن الذي أبلغ عنه أعضاؤها هو بالقرب من أدنى المستويات منذ أن بدأت التسجيلات قبل أكثر من 40 عاما. بحسب إنيس ماكفي، الخبير الاقتصادي في "أكسفورد إيكونوميكس"، ما لم يكن هناك ارتفاع في البطالة يؤدي إلى ظهور أعداد كبيرة من البائعين القسريين، فإن الشركة الاستشارية لا تتوقع "انخفاضات كبيرة صريحة في أسعار المنازل في أغلبية الأسواق". في حين من المتوقع أن تؤدي الأسعار المرتفعة بسرعة إلى انخفاض الدخل الحقيقي في معظم الاقتصادات، فإن عديدا من الأسر، ولا سيما الأغنى منها، جمعت كميات كبيرة من المدخرات أثناء الوباء. يتوقع جيم إيجان، رئيس قسم أبحاث الأوراق المالية في "مورجان ستانلي"، أن العرض المحدود للمنازل، والمساهمات الكبيرة التي يمتلكها عديد من مالكي المنازل في ممتلكاتهم والتمويل الصحي للمالكين، ستضمن جميعها تجنب أن تتبع السوق المسار نفسه مثل "الازدهار والكساد السكني الكبير في أوائل العقد الأول من القرن الـ21". تقول ريسموندو إن أسواق الإسكان في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية تشترك حاليا في بعض السمات المشتركة، "الرغبة في مساحة أكبر في عالم ما بعد الجائحة، وميزانيات منزلية صحية، وأسواق عمل صحية، ونمو قوي للأجور، وحقيقة أن عديدا من أصحاب المنازل قد منعوا من التمويل منخفض الفائدة". تقبل ريسموندو أن ارتفاع أسعار الفائدة سيضعف الطلب على الائتمان لشراء المساكن. لكنها تتوقع أن تقدم هذه "العوامل المشتركة" بعض الدعم لأسعار العقارات على جانبي المحيط الأطلسي.

الأكثر قراءة