رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الأسواق الحرة وتعظيم الرفاهية «2 من 2»

السؤال الأكثر إثارة للجدال وطرحا للنقاش والتداول هو كيف يمكن ضبط سلوكيات السوق ومنع انتهاكات الدولة؟ تعمل الأنظمة المختلفة على إيجاد التوازن الذي يناسبها. فيركز نظام الحكم في الصين على تسليم نتائج جوهرية ملموسة لأغلب السكان من خلال آلية مساءلة ذات توجه إداري. من منظور غربي، يختلف هذا جوهريا عن الديمقراطية الانتخابية التي تؤكد القواعد القانونية والإجرائية والحقوق الفردية، وهي بالتالي غير مقبولة.
تقطع هذه الاختلافات شوطا طويلا نحو تفسير السبب وراء إثارة التحول الأعظم في الصين لمثل هذا القدر من الاستجابة السلبية من جانب القوى الغربية، التي تجنبت في الأعوام الأخيرة المشاركة والتعاون الوثيق، لمصلحة المنافسة والمواجهة والاحتواء. مكمن الخطر هنا يتمثل في تسبب استخدام وسائل الإعلام والتكنولوجيا والتمويل والتجارة وغير ذلك من مجالات التعاون السابقة كسلاح في إشعال شرارة تصعيد حتمي للتوترات، ما يؤدي في النهاية إلى الحرب.
على نحو مماثل، كلما زاد القدر الذي توجهه الهند وغيرها من القوة الصاعدة من الاهتمام والموارد والقدرات نحو الأمن الوطني والدفاع، قل ما يمكنها تكريسه للتنمية الاقتصادية المحلية والاندماج في الاقتصاد العالمي. هذا من شأنه أن يضعف العلاقات القائمة على السوق التي قدمت كثيرا لدعم السلام على مدار العقود العديدة الأخيرة. ولأن الصين والهند وإندونيسيا ربما تصبح بين أكبر خمسة اقتصادات في العالم بحلول عام 2050، في حين تشكل حاليا 40 في المائة من سكان العالم وما يقرب من 175 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي "مع تعادل القوة الشرائية"، فمن الأهمية بمكان أن يجري التفاوض على نظام جديد متعدد الأطراف لمنع اندلاع صراعات كبرى.
لقد عفى الزمن على عقلية الحرب الباردة. ويفشل الرأي القائل بضرورة احتواء القوى الصاعدة في التعبير عن الدروس المستفادة من حربين عالميتين دارت رحاهما لكبح تقدم قوتين وطنيتين صاعدتين "ألمانيا واليابان". لكن منافسة اليوم تدور بين قوتين صاعدتين كل منهما بحجم قارة، وتمتلكان التكنولوجيات النووية وتكنولوجيات أخرى قادرة على إحداث قدر متزايد من الدمار. أدرك بولاني أن التحول الجهازي ينطوي على توازن بين طلب غير محدود وموارد محدودة. والحل إما الحرب التي من شأنها أن تعجل بدمار كوكب الأرض وزوال الجنس البشري، أو السلام وبقاء الإنسان من خلال تكامل كل الدول في نظام عالمي متوازن.
إن تجنب حالة مفرطة من انعدام الاستقرار داخل الدول، والتشرذم بينها أمر بالغ الأهمية لإيجاد مثل هذا التوازن المستقر بين القوى. لهذا السبب، تعد الدعوات الغربية المطالبة بتقرير المصير في أماكن مثل شينجيانج وهونج كونج وتايوان منافية للعقل والحكمة. وليست الصين وحدها التي تواجه مثل هذه الضغوط. في الشهر الماضي استشاطت حكومة الهند غضبا عندما اعترفت الجمعية العامة في ولاية كونيتيكت الأمريكية رسميا بذكرى إعلان استقلال السيخ، وبالتالي فقد أظهرت الدعم فعليا لولاية مستقلة داخل الهند.
من غير الواقعي مطالبة جميع الدول بالاتفاق على الأولويات والأنظمة والقيم التي تتماشى جميعها مع مشورة هايك، أو بولاني، أو أي مفكر آخر. لكن هذا لا يعني أننا محكوم علينا بأن نعيش حالة من الصراع المستمر المتصاعد. الحق أننا قادرون بل يتعين علينا أن نعمل على إيجاد أرضية مشتركة، ونسعى إلى المشاركة البناءة وتقديم التنازلات في خدمة "تحول أعظم" عالمي نحو السلام والرخاء والصحة الكوكبية.
خاص بـ "الاقتصادية"
بروجيكت سنديكيت، 2022.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي