نقص حاد في الموظفين .. هل تقلع صناعة الطيران قبل نهاية الصيف؟

نقص حاد في الموظفين .. هل تقلع صناعة الطيران قبل نهاية الصيف؟
نقص حاد في الموظفين .. هل تقلع صناعة الطيران قبل نهاية الصيف؟

عندما دققت جو النظر في أرضية صالة المغادرة في مطار فرانكفورت في الشهر الماضي بحثا عن أكثر مكان ترتاح فيه لقضاء ليلة، شعرت بتأثير الفوضى التي تعصف بصناعة الطيران على مستوى شخصي.
تحولت رحلة روتينية مدتها أربع ساعات على متن طائرة إيزي جيت من لندن إلى اليونان إلى محنة مدتها 24 ساعة، بدأت عندما ألغت شركة الطيران البريطانية رحلتها دون سابق إنذار تقريبا. ونظرا لنفاد تذاكر رحلات الطيران المباشرة الأخرى، اضطرت للتحرك سريعا عبر لندن إلى مطار مختلف لاتخاذ طريق طيران مكلف وغير مباشر عبر ألمانيا، تضمن توقفا طوال الليل في فرانكفورت.
جو، التي لم ترغب في الكشف عن اسمها الكامل، هي واحدة من مئات الآلاف من الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم وسط الاضطراب الذي أصاب شركات الطيران والمطارات هذا العام، حين بدأ الركاب في الطيران بأعداد كبيرة مرة أخرى بعد جائحة كوفيد - 19. وقد عقد زوجان قرانهما على متن طائرة متجهة إلى لاس فيجاس بعد أن فاتهما حفل زفافهما. واشتكى آخرون من إفساد إجازاتهم، وفقدان أمتعتهم، ونفاد أموالهم.
تصدرت المشكلات الناجمة عن نقص الموظفين في شركات الطيران، والمطارات، وشركات الخدمة الأرضية، عناوين الأخبار في المملكة المتحدة عقب موجة من الاضطرابات شملت إلغاء 500 رحلة في نهاية الأسبوع الماضي. لكن أوروبا والولايات المتحدة شعرتا بالآثار أيضا، ما خلف تباطؤا في نظام يعاني للتعامل مع مشكلات تشغيلية أخرى، تمتد من الطقس إلى التأخير الناجم عن ضبط حركة الطيران.
في الولايات المتحدة، ألغيت آلاف الرحلات الجوية خلال عطلة يوم الذكرى. وفي أوروبا ألغى مطار شارل ديجول في باريس ربع رحلاته الخميس بعد إضراب العاملين. والسبت علقت شركة الطيران الهولندية "كيه إل إم" رحلات الركاب إلى مطار شيفول في أمستردام بسبب سوء الأحوال الجوية وصيانة المدرج، ما ضاعف الاكتظاظ الناجم عن نقص الموظفين.
في المجمل، تم إلغاء 4 في المائة من الرحلات الجوية العالمية السبت الماضي، بما في ذلك 11 في المائة من الرحلات في هولندا، و4 في المائة في ألمانيا، و3 في المائة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وفقا لشركة تزويد بيانات الصناعة "أوه إيه جي".
مسببات المشكلة متداخلة. تم اتهام الشركات بطرد عدد كبير جدا من الموظفين عندما ضربت الجائحة لأول مرة، ومن ثم وجدت نفسها غير مستعدة تماما لعودة الركاب، على الرغم من توقع كثيرين أنه سيكون هناك طلب مكبوت هائل على السفر.
قال جون هولاند كاي، الرئيس التنفيذي لمطار هيثرو، في مؤتمر فاينانشيال تايمز جلوبال بورد رووم هذا الأسبوع: "لقد عاد الطلب (...) أسرع بكثير من قدرة الصناعة على مواجهته".
أصبحت معاناة الصناعة لتعيين موظفين بديلين أكثر صعوبة في أسواق العمل الضيقة التي عادت إليها العافية. لكن الأزمة كشفت أيضا عن الطريقة التي يجب أن تتحد بها الشبكة المترابطة من الشركات بسلاسة لإطلاق طائرة في الأجواء. عندما يتذبذب جزء واحد من النظام الإيكولوجي للطيران، فإنه يؤدي إلى اضطراب شديد عبر الصناعة.
قال هولاند كاي، إن الصناعة مرت "بأزمة وجودية" على مدى العامين الماضيين. "من دون إيرادات ومع التكاليف الثابتة المرتفعة للغاية (...)، فإن إعادة بناء تلك الطاقة الاستيعابية أمر صعب للغاية".

الانتعاش
قبل عامين، في غمرة عمليات الإغلاق الناجمة عن كوفيد، كانت شركات الطيران تكافح للنجاة، وركزت على خفض التكاليف مع اختفاء الركاب وتراكم الخسارات. ومع إدراكها للتهديد الذي تواجهه أعمالها، خفض رؤساؤها أعداد الموظفين بشكل كبير. في نيسان (أبريل) 2020 قدرت شركة لوفتهانزا أنها كانت تنفق مليون يورو في الساعة.
خفضت الخطوط الجوية البريطانية حوالي عشرة آلاف من قوتها العاملة البالغ عددها 42 ألف عامل، خطوة وصفتها لجنة برلمانية بريطانية بأنها "تدمير طائش". كذلك اتخذ كثير من الشركات المنافسة خطوات مشابهة.
قدرت الحكومة الأمريكية أن 100 ألف وظيفة في صناعة الطيران فقدت بحلول أيلول (سبتمبر) 2021، على الرغم من أنها قدمت أكثر من 50 مليار دولار من الدعم لشركات الطيران. وتخلت شركة الخدمات الأرضية، سويس بورت، عن 20 ألف من موظفيها البالغ عددهم 65 ألف موظف حول العالم. في المجمل، انخفض عدد العاملين في صناعة الطيران نحو 2.3 مليون شخص بحلول أيلول (سبتمبر) 2021، وفقا لبحث أجرته شركة أكسفورد إيكونوميكس الاستشارية.
قال ستيفن كوتون، الأمين العام لاتحاد العاملين في النقل الدولي: "مع قليل من الاستثناءات، لم تلق دعوات الاتحاد لتنفيذ برامج الاحتفاظ بالموظفين خلال ذروة الأزمة أي صدى. والنتيجة هي ما نراه اليوم (...) خسارة أكثر من مليوني موظف ماهر في شركات الطيران، والمطارات، وخدمات الطيران، وسلاسل التوريد العالمية في وقت تعتبر الصناعة في أمس الحاجة لهم".
قالت اتحادات العاملين إن تأثير فقدان الوظائف تفاقم بسبب حقيقة أن كثيرا من كبار المديرين شملتهم عمليات التخلص من الموظفين. وأصبح تأثير هذه الفجوة في المهارات والمعرفة واضحا الآن فقط، مع محاولة الشركات إعادة بناء قدرتها الاستيعابية.
وتعقدت المشكلة بسبب الإيقاعات غير المنتظمة للجائحة. بدأت الخطوط الجوية البريطانية بإعادة التوظيف في أواخر العام الماضي، مع تخفيف القواعد الحدودية واستئناف الرحلات الجوية عبر المحيط الأطلسي بشكل جدي. لكن بعد أسابيع فقط أدى ظهور المتحور أوميكرون إلى فرض قواعد حدودية جديدة.
بالنسبة لويلي والش، الرئيس السابق للخطوط الجوية البريطانية، الذي يترأس الآن اتحاد النقل الجوي الدولي، الصناعة لا تزال تعاني آثار قواعد السفر الحكومية المتباينة.
قال: "مع قيام الحكومات بتحولات وتغييرات في السياسة كانت هناك حالة من عدم اليقين حتى اللحظة الأخيرة، الأمر الذي لم يترك سوى قليل من الوقت لإعادة تشغيل صناعة كانت نائمة إلى حد كبير لمدة عامين. لا عجب أننا نشهد حالات تأخير تشغيلية في بعض المواقع".

سلاسل التوريد المتداخلة
لا تكافح الصناعة وحدها للعثور على الموظفين في أسواق العمل الضيقة الحالية، لكن قواعدها الأمنية الفريدة تضعها في موقف صعب بشكل خاص. يحتاج كثير من الموظفين الجدد إلى اجتياز تحقيقات متعلقة بخلفياتهم قبل السماح لهم بالعمل. قد تستغرق هذه العمليات عدة أسابيع، وهو وقت يمكن فيه للمرشحين أن يعثروا على وظيفة أخرى.
قال بعضهم إن هذا القطاع أصبح أقل جاذبية للباحثين عن عمل، بعد عامين من التخلص من الموظفين والعناوين الإخبارية السلبية. قال جوزيف فاردي، الرئيس التنفيذي لشركة ويز أير، شركة طيران اقتصادية التكلفة لعموم أوروبا: "كثيرون ممن رأوا الصناعة على أنها جذابة غيروا رأيهم. بدأ الناس بالبحث عن صناعات وقطاعات أخرى للتقدم في حياتهم المهنية".
واجه فاردي هذا الأسبوع انتقادا حادا من اتحادات الطيارين بعد إخبار الموظفين في موجز داخلي مسرب: "لا يمكننا إدارة هذا العمل عندما يبلغ كل شخص خامس في إحدى القواعد عن مرضه لأنه مرهق. كلنا مرهقون لكن في بعض الأحيان يكون مطلوبا بذل مزيد من الجهد".
في حين أبلغ عدد قليل من الشركات عن مشكلات في توظيف طيارين ذوي رواتب جيدة، فإن الوظائف الأخرى – ولا سيما العمل على الأرض في المطارات – هي الأكثر صعوبة. قال أحد المسؤولين التنفيذيين في الصناعة الأوروبية: "كن صادقا. هل تفضل العمل في سوبر ماركت في أوقات مناسبة ومناوبة منتظمة، أو الاستيقاظ في الثانية صباحا والوقوف في الطقس البارد في المطار؟".
قال كوتون إن الشركات بحاجة لتقديم أمان وظيفي أفضل، ومعايير عمل وفرص للتقدم المهني لجعل الصناعة أكثر جاذبية للموظفين المحتملين.
مع ذلك، حجم الاضطراب الذي أصاب شركات الطيران الفردية لا يتوافق تماما مع حجم تخفيضات الوظائف. على الرغم من أن شركة إيزي جيت تعرضت لضربة شديدة بشكل خاص هذا العام، إلا أن لديها عدد الموظفين نفسه تقريبا الذي كان في 2019. وتتوقع شركة ويز أير أن يكون لديها 6700 موظف بحلول نهاية الصيف، ارتفاعا من أربعة آلاف موظف قبل تفشي الجائحة، لكنها لا تزال مضطرة لإلغاء الرحلات الجوية.
المشكلات التي تواجهها شركات الطيران هذه مرتبطة إلى حد كبير بسلاسل التوريد الخاصة بها بدلا من ذلك، والتي تكون عرضة لاضطرابات خارجة عن سيطرتها المباشرة. وفي حين أن الراكب قد يكون على اتصال فقط بعلامتين تجاريتين، شركة الطيران والمطار، فإن الرحلة التي يقوم بها يتم تشغيلها بواسطة مجموعة متشابكة من الشركات، بدءا من شركات مزودي موظفي تسجيل الوصول بعقد من الباطن ومناولي الحقائب، إلى شركات أمن المطارات ومتعهدي التموين من الأطراف الثالثة.
على مر الأعوام، استعانت شركات الطيران بمصادر خارجية لأجزاء عديدة من الأعمال قدر الإمكان. عندما يفشل رابط واحد في السلسة، ويعاني كل جزء من الصناعة مشكلات التوظيف هذا العام، تميل الهوامش الدقيقة التي تعمل عليها شركات الطيران إلى الانهيار.
ألقى كثير من شركات الطيران باللوم في التعطيل على العاملين في الخدمات الأرضية، الذين يقدمون خدمات تراوح من تزويد الطائرات بالوقود إلى موظفي تسجيل الوصول، لعدم وجود عدد كاف من الموظفين. لكن المسؤولين التنفيذيين المحبطين في تلك الشركات يقولون إن شركات الطيران نفسها تضغط منذ أعوام على هوامش ربح العقود التي تقدمها.

المبالغة في التعافي
في محاولة لاستعادة النظام، شكك بعض العاملين في الصناعة في نظام يقدم أسعارا مخفضة عبر التركيز على الكفاءة فوق كل شيء آخر تقريبا. بحسب أحد أعضاء مجلس إدارة شركة طيران أوروبية، من الواضح أن النظام لا يمكن أن يعمل بهوامش 2019 بعد الآن، لكن إدخال فترة تباطؤ جديدة لمنع أي اضطراب في المستقبل سيعني أن على الركاب الاستعداد لأسعار أعلى.
مع ذلك، لا تزال الشركات تتعرض لانتقادات بسبب المبالغة في تقدير عدد الرحلات الجوية التي ستتمكن من تسييرها هذا الصيف. قبل خمسة أسابيع، قال رئيس شركة لوفتهانزا، كارستن شبور، إن مجموعته "تهزم الأزمة عقليا" حيث تتوقع أنها ستنقل عددا أكبر من الأشخاص هذا الصيف "من أي وقت مضى". لكن الشركة قالت الخميس إنها ستلغي 900 رحلة في تموز (يوليو)، وألقت باللوم على "الاختناقات ونقص الموظفين" عبر الصناعة. وفي المملكة المتحدة، اتهم وزير النقل، جرانت شابس، شركات الطيران "ببيع الرحلات الجوية والعطلات بأقل من قيمتها الحقيقية بشكل خطير" هذا الشهر.
وحذرت هيئة مراقبة الحركة الجوية في أوروبا من مشكلات تمتد حتى تموز (يوليو)، في حين تتوقع شركات الطيران في المنطقة أن يستمر الاضطراب لجزء كبير من الصيف. وبالغ هولاند كاي قائلا إن الأمر قد يستغرق 18 شهرا لاستعادة القدرة التشغيلية.
الرافعة الوحيدة المتبقية لرؤساء شركات الطيران هي الأصعب على الإطلاق: محاولة تقليل الرحلات الجوية. يعكس قرار شركة لوفتهانزا تقليص جدول أعمالها قرارا سابقا اتخذته شركة الخطوط الجوية البريطانية، التي خفضت 10 في المائة من جدولها الصيفي في محاولة لضمان أن تكون عملياتها أكثر موثوقية. نجح الأمر، في الوقت الحالي، وأصبحت الشركة أكثر مرونة منذ ذلك الحين.
وما يثير القلق بالنسبة لصناعة لا تزال في حالة تعاف، هو أن بعض المسافرين رأوا ما يكفي بالفعل. يسافر ماتياس تروست، أستاذ في جامعة نيوكاسل، لحضور المؤتمرات العلمية بانتظام مرة أخرى هذا العام، لكنه يقدر أن نحو نصف رحلاته قد تعطلت.
قال: "كنا جميعا نتطلع للعودة للوضع الطبيعي (...) لكن إذا كنت تسافر لمدة 36 ساعة، فإن الأمر مثير للسخرية. لن أحجز أي رحلة جديدة".

الأكثر قراءة