السبورة العقلية
كنت أتساءل دائما عن شيء غريب يحدث باستمرار كأن تشاهد حادث سيارة مع شخص أو مجموعة أشخاص أو حتى أحداث مسلسل وعندما تحاول نقلها لأشخاص آخرين يروي كل شخص الحدث بطريقة مختلفة تماما وقد يفهم بطريقة مغايرة لدرجة أنك تبدأ بالشك في نفسك وذاكرتك أو في من حضروا معك.
لكن عندما تعلم أن لدى كل منا ذاكرة مؤقتة تعرف بالذاكرة العاملة تعمل على تمكين الإنسان من تخزين المعلومات وتنظيمها بهدف استدعائها واستخدامها مستقبلا عندما يحتاج إلى ذلك، ولا يعرف العلماء عنها سوى أنها ذاكرة محدودة السعة تخزن المعلومات بشكل مؤقت، كما تعالجها أيضا في بعض الأحيان، كما أنهم لا يعرفون شيئا عن طبيعتها العصبية ولا كيفية تخزين المعلومات فيها.
لذا عمل فريق من العلماء في جامعة نيويورك لثلاثة أعوام لسبر أغوار تلك الذاكرة ومعرفة الطريقة التي تخزن بها المعلومات، ووجدوا أن المعلومات الواردة من الحواس المختلفة يعاد ترميزها داخل الدماغ والاحتفاظ بها بشكل خاص وهذا ما يجعل الطريقة التي تخزن بها الذكريات مختلفة من شخص إلى آخر.
وافترض العلماء أن ما تقوم به الذاكرة العاملة هو مجرد انعكاس لما تشعر به حواسنا المختلفة، فمثلا إذا ما شاهد شخص حادثة سقوط طائرة، سينتقل مشهد السقوط داخل خلاياه العصبية لتحتفظ الذاكرة العاملة به لفترة قصيرة تمهيدا لنقله إلى الذاكرة طويلة الأمد، وكل شخص يعيد ترميز الحادثة بشكل مختلف، وتعني إعادة الترميز تحويل معلومة، مثل مشهد سقوط الطائرة، إلى شكل آخر من المعلومات المختصرة، مثل أن يتحول المشهد برمته إلى مجرد صورة ثابتة أو صوت مدو، وإذا ما استغرق مشهد سقوط الطائرة ثلاث دقائق، فإن الذاكرة العاملة عند شخص ما قد تحول ذلك المشهد إلى ثوان معدودة، بهدف الاختزال والترميز بشكل مختلف.
وتعد القدرة على تخزين المعلومات لفترات وجيزة من الوقت في الذاكرة العاملة لبنة أساسية لمعظم العمليات الإدراكية العليا لدينا. مثل تحويل الأرقام إلى أصوات فتشعر وأنت تكتب الرقم أنك تسمع نغمته الخاصة وباستخدام الرنين المغناطيسي ووجدوا أن الذاكرة العاملة لدى البشر نشطة ولا تقوم فقط بتخزين ما نراه في الذاكرة، بل تحول ما نراه إلى تمثيلات تحددها أسباب استخدامنا لذاكرتنا، كما وجدوا أن القشرة البصرية في أدمغتنا لا تستخدم فقط للرؤية، "بل تستخدم مثل السبورة العقلية، تكتب عليها المعلومات المرئية الموجودة في ذاكرتنا".