رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل بلغنا أقصى حدود النمو؟ «2 من 2»

بطبيعة الحال يدرك أهل الاقتصاد المنتمون إلى التيار الرئيس هذه الحقيقة. لكنهم لاحظوا أن النمو الاقتصادي يقاس من حيث الدخل الوطني الناتج المحلي الإجمالي، ولا توجد علاقة بسيطة بين هذه المؤشرات والتدهور البيئي. من الممكن أن يؤدي استخدام الطاقة المتجددة وإعادة تدوير النفايات، وتحويل الاستهلاك من السلع إلى الخدمات، إلى جعل النمو الاقتصادي أقل إضرارا بالبيئة بدرجة كبيرة. وبهذا يمكننا أن نحصل على النمو الأخضر: مستويات معيشة أعلى وبيئة أكثر صحة أيضا. على مدار العقد الماضي أصبح النمو الأخضر الهدف الرسمي لكل المؤسسات الاقتصادية متعددة الأطراف الرئيسة، بما في ذلك البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
في الأعوام الأخيرة انخفضت بالفعل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الدول الغنية حتى مع نمو اقتصاداتها. لكن قدر كبير من هذا الفصل الواضح بين نمو الناتج المحلي الإجمالي والأضرار البيئية تحقق عن طريق نقل الانبعاثات إلى الصين والاقتصادات الناشئة التي تنتج الآن أغلب السلع المصنعة. وفي مجالات أخرى بما في ذلك إزالة الغابات، والمخزونات السمكية، واستنفاد التربة، كان الفصل المطلق ضئيلا أو منعدما.
ماذا يتعين علينا أن نفعل لتجنب هذه الكارثة؟ من منظور مجموعة متزايدة البروز من دعاة حماية البيئة، الإجابة واضحة: ينبغي للاقتصادات المتقدمة أن تتوقف عن النمو وتبدأ في الانكماش. إن تقليص النمو، كما يقول مؤلفون مثل جيسون هايكل وجورجوس كاليس، كفيل بتمكين العالم من الحياة في حدود إمكاناته البيئية وترك القدر الكافي من الموارد لتنمية الدول الأكثر فقرا.
علاوة على ذلك، يزعم أنصار تقليص النمو أن النمو الاقتصادي ليس غير مستدام فحسب، بل يفشل أيضا في جعلنا أفضل حالا. وهم يلاحظون أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الدول الغنية يرتبط الآن بمشكلات اجتماعية متعددة، من تفشي التفاوت بين الناس إلى تزايد اعتلال الصحة العقلية.
ليس من المستغرب أن تكون المناقشة الاقتصادية بين دعاة النمو الأخضر وتقليص النمو هي أيضا مجادلة سياسية بين الأيديولوجيات المؤيدة والمناهضة للرأسمالية. لهذا السبب جزئيا برز وضع ثالث في الأعوام الأخيرة "ما بعد النمو".
ينتقد أنصار اقتصادات ما بعد النمو المدافعين عن النمو الأخضر وتقليص النمو بسبب تركيزهم على الناتج المحلي الإجمالي. الواقع أن الناتج المحلي الإجمالي لا يقيس التدهور البيئي أو الرفاهية الاجتماعية، وعلى هذا ينبغي ألا يكون النمو أو تقليصه هدفا اقتصاديا أساسيا. في تقرير حديث صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يزعم فريق من كبار خبراء الاقتصاد أن السياسة الاقتصادية يجب أن تركز بدلا من ذلك على أهداف المجتمع الأساسية التي يجب أن تكون الاستدامة البيئية، وتحسين الرفاهية، وتضييق فجوة التفاوت، وتعظيم المرونة الاقتصادية في الدول الأكثر ثراء اليوم.
لم يعد من الممكن ضمان أي من هذه الغايات من خلال النمو الاقتصادي، ولهذا يتعين على صناع السياسات أن يحرصوا على "تجاوز النمو" لاستهدافها بشكل مباشر. على حد تعبير كيت راورث، مؤلفة كتاب اقتصادات الكعكة: ينبغي لنا أن نكون محايدين للنمو.
يتمثل أحد الأسباب الرئيسة وراء ظهور أفكار ما بعد النمو في أن الاقتصادات المتقدمة كانت في الأعوام الأخيرة تواجه متاعب في تحقيق أي نمو على الإطلاق. حتى زيادات الناتج المحلي الإجمالي المعتادة في السابق بنسبة 2 إلى 3 في المائة سنويا، كانت بعيدة المنال إلى حد كبير، مع نمو متواضع لا تدعمه سوى أسعار الفائدة شديدة الانخفاض وضخ أموال البنك المركزي بكميات ضخمة.
الواقع أن أهل الاقتصاد محيرون حول السبب وراء ذلك، لكن التباطؤ الاقتصادي في الآونة الأخيرة يجعل من الأسهل التفكير في معدلات النمو المنخفضة التي تجلبها السياسة البيئية، إذا كان هذا هو ما قد يحدث بالفعل. ينبغي للمرء ألا يكون من دعاة حماية البيئة كي يدرك الأولوية القصوى لكبح جماح التأثير المدمر الذي يخلفه الاقتصاد على مناخ كوكب الأرض وبيئته.
كان كتاب "حدود النمو" موضع تجاهل على نطاق واسع قبل 50 عاما من الزمن. ولو لم يحدث ذلك لما كنا في احتياج إلى إجراء هذه المناقشة مرة أخرى اليوم.
خاص بـ "الاقتصادية"
بروجيكت سنديكيت، 2022.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي