رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


القدرة على تحمل ارتفاع الدين العام «5»

الدول عالقة في وضع قد يفرض عليها ارتفاعا سريعا في أسعار الفائدة قصيرة الأجل، ما يعني أن الدولة ككل قد تواجه قيودا أكثر تشددا على الموازنة العامة.
وبخصوص دوافع الحفاظ على استقرار الأسعار، فهناك طريقة واحدة لضمان استمرار مساهمة البنوك المركزية في استدامة مسار الدين العام من خلال القنوات الخمس المذكورة، ألا وهي الالتزام باستقرار الأسعار. فاستقرار الأسعار يساعد على حماية الدين العام من خطر التضخم، وبقاء توقعات الدين حول مستهدفاتها، وتجنب علاوات المخاطر المقترنة بالتضخم، والتأكيد على ضرورة التركيز على التضخم لأغراض سياسة السلامة الاحترازية الكلية، وتوجيه سياسة الميزانية العمومية للبنك المركزي وتحديد حجم الدعم الذي ينبغي أن تقدمه الحكومة لها من خلال المالية العامة. ومن شأن استقرار الأسعار أيضا تعظيم إيرادات الدين والمساهمة في استدامة مسار الدين العام.
وقد تبدو دوافع الحفاظ على استقرار الأسعار مثيرة للدهشة لتعارضها مع البدهيات الشائعة: ألا يساعد بعض التضخم على مواجهة مستويات الدين العام لدى ارتفاعها كما هو الحال اليوم؟ فضريبة التضخم التي يتحملها حائزو السندات تعد أداة مكملة للضرائب المحصلة من مختلف أشكال الضريبة التشويهية الأخرى، وهو ما يمثل ثاني أفضل بديل في ظل ضرورة سداد الديون الذي سيؤدي بشكل أو آخر إلى بعض التشوهات. كذلك فإن زيادة التضخم في مرحلة لاحقة قد تبدو تكلفة ملائمة مقابل استمرار البنك المركزي في تطبيق أسعار فائدة منخفضة وحماية الاقتصاد بالتالي من أزمة دين محققة، وإيجازا لما سبق، ألا يوجد تعارض بين استدامة القدرة على تحمل ارتفاع الدين العام واستقرار الأسعار؟
الإجابة "لا"، نظرا لأن مزايا التضخم المفترضة لا تتحقق إلا في حالات التضخم المفاجئة. فعندما يباغت التضخم حائزي الأسهم تنتقل الثروة من أيديهم إلى الحكومة، على غرار ما حدث في الولايات المتحدة عام 2020. وما دام البنك المركزي قادرا على تطبيق أسعار فائدة أساسية منخفضة وزيادة حجم ميزانيته العمومية دون زعزعة مصداقية سياسة التضخم التي يتحمل مسؤوليتها، تظل أسعار الفائدة الحقيقية الأطول أجلا على السندات الحكومية منخفضة وإيرادات الدين مرتفعة. لكن التضخم الفعلي قد ينحرف طويلا عن التضخم المتوقع. لذلك فما إن يبدأ مستثمرو السندات الحكومية في موقع التضخم أو ينتابهم القلق حياله يجب أن تولي السياسة النقدية الأولوية لاستقرار الأسعار في ضوء الدوافع الخمسة المذكورة. فاستدامة مسار الدين العام المرهونة بمباغتة حائزي السندات بنوبة تضخمية موقوتة ليست إلا سياسة خطيرة ومعيبة.
ويمكن للحكومات تجنب أزمات الدين السيادي دون اللجوء إلى تدابير تقشفية حادة ما دام الدين العام يحتفظ بخصوصيته وتتولد عنه إيرادات مرتفعة. ويتطلب ذلك منح قدر أكبر من الاستقلالية للبنوك المركزية، وليس العكس، والتزاما أكثر قوة من جانب الحكومات والبنوك المركزية على حد سواء بمستويات التضخم المستهدفة. فلا يمكن لاتجاهات التضخم غير المتوقعة الاستمرار طويلا. أما استدامة القدرة على تحمل ارتفاع الدين العام الذي نشهده حاليا، فتتطلب جهدا متواصلا لأعوام عديدة مقبلة.
وأخيرا: يتوقع أن يظل الدين العام مرتفعا ما يجعل استقرار الأسعار مطلبا أكثر أهمية من أي وقت مضى.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي