القدرة على تحمل ارتفاع الدين العام «4»
منذ وقوع الأزمة المالية، أسهمت البنوك المركزية من خلال قناة رابعة في زيادة إيرادات الدين. فسياسات السلامة الاحترازية الكلية التي وضعتها هذه البنوك ألزمت المؤسسات المالية بحيازة أصول أكثر أمانا وسيولة وفرضت عليها تحمل تكلفة أكبر على حيازات الأصول الخاصة عالية المخاطر. لذلك ازداد الطلب على السندات الحكومية التي تصلح كضمان وتلبي متطلبات الجهات التنظيمية في الوقت نفسه. كذلك أسهمت البنوك المركزية في الحد من احتمالات وقوع أزمات مالية أخرى، وهو ما أدى بدوره إلى تراجع التوقعات بشأن الحاجة إلى عمليات إنقاذ ذات تكلفة مالية مرتفعة مستقبلا. وبذلك ساعدت سياسة السلامة الاحترازية الكلية عموما على استدامة مسار الدين العام رغم ارتفاعه، حتى إن لم يكن ذلك هو هدفها الأساس. غير أن هذه الأوضاع قد تتغير أيضا. فإذا ما واجهنا سيناريو يكمن خطره الرئيس في احتمالية وقوع أزمة على جانب المالية العامة، وليس في القطاع المالي، كما سبق، وهو سيناريو مستبعد لكنه ممكن، يؤدي ذلك إلى تراجع مؤشرات السلامة الاحترازية الكلية.
تشكل سوق السندات الحكومية ضمانا أساسيا للنظام كله. فإذا ما أصبحت هذه السوق هي المصدر الأساسي لعدم الاستقرار المالي، يصبح الخط الفاصل بين سياسة السلامة الاحترازية الكلية والكبح المالي هشا. وقد يستخدم البنك المركزي صلاحياته لزيادة الطلب على السندات الحكومية لمنع وقوع أزمة في الدين الحكومي. لكن في حالة عدم قدرة الخزانة العامة على خدمة الدين أو عدم رغبتها في ذلك، فإنها قد تستغل هذه الأوضاع لزيادة مستويات العجز. وسيؤدي ذلك إلى انهيار الأسواق في أي لحظة.
وهناك قناة خامسة بين السياسة النقدية واستدامة القدرة على تحمل مستويات الدين المرتفعة من خلال إيرادات الدين. فخلال العقد الماضي أدت سياسات التيسير الكمي التي انتهجتها البنوك المركزية إلى سحب السندات الحكومية طويلة الأجل من القطاع الخاص لتحل محلها الودائع المصرفية لليلة واحدة لدى البنك المركزي. وتراجعت أسعار الفائدة، سواء على الآجال القصيرة أو الطويلة، ما نتج عنه تحمل البنك المركزي تكلفة قليلة على موارده نظرا إلى أن الفائدة التي قام بتحميلها على السندات الحكومية كانت أعلى قليلا مقارنة بالفائدة التي سددها للبنوك. لكن البنوك المركزية كانت عادة ما تستجيب لطفرات التضخم من خلال تطبيق زيادة كبيرة في أسعار الفائدة قصيرة الأجل عن قيمتها طويلة الأجل. وإذا تكرر الأمر في الوقت الحالي، قد تواجه البنوك المركزية خسائر: فسيكون عليها دفع فوائد للمودعين تتجاوز ما تحصله من فوائد على السندات الحكومية التي قامت بشرائها في الماضي ولا يزال سعر الفائدة عليها منخفضا. ويمكن موازنة الخسائر من خلال طرح إصدارات نقدية وتحصيل رسوم عليها، وهي وسيلة مؤكدة لزيادة التضخم. وعوضا عن ذلك يمكن تمرير الخسائر إلى الخزانة من خلال مطالبتها بإعادة رسملة البنك المركزي، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة العجز الحكومي. وفي الحالتين، تصبح الخصوم العامة التي يحوزها القطاع الخاص أقصر أجلا نتيجة التيسير الكمي، وأي تغير مفاجئ في هذه الأوضاع قد يستلزم بيع السندات العامة بأسعار مخفضة، ما قد يتسبب في أزمة ... يتبع.