الحرب تلقي بظلالها على الآفاق الاقتصادية العالمية «2 من 2»

تتزايد حاليا احتمالات انحراف توقعات التضخم عن الأهداف التي حددتها البنوك المركزية، ما سيؤدي إلى استجابة أكثر تشددا من جانب صناع السياسات. كذلك قد يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء والوقود إلى زيادة ملحوظة في حجم القلاقل الاجتماعية المحتملة في الدول الأكثر فقرا.
ففي أعقاب الحرب الروسية ـ الأوكرانية مباشرة شهدت اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية تشديدا في الأوضاع المالية. وكانت إجراءات إعادة التسعير متوازنة في معظم الأحوال حتى الآن. غير أن بعض مخاطر الهشاشة المالية لا تزال حاضرة، ما يزيد احتمالات التشديد الحاد للأوضاع المالية العالمية وخروج التدفقات الرأسمالية.
وعلى صعيد المالية العامة، كانت الجائحة قد أدت بالفعل إلى تآكل الحيز المتاح من خلال السياسات في كثير من الدول. وكان من المتوقع الاستمرار في سحب الدعم المالي الاستثنائي. وسيؤدي ارتفاع أسعار السلع الأولية وزيادة أسعار الفائدة العالمية، إلى تقليص الحيز المالي بدرجة أكبر، ولا سيما في اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية المستوردة للنفط والغذاء.
كذلك تزيد الحرب خطر تجزؤ الاقتصاد العالمي بشكل دائم إلى كتل جغرافية - سياسية لكل منها معايير تكنولوجية ونظم مدفوعات عبر الحدود وعملات احتياطي خاصة بها. وسينشأ عن هذا "التحول الهيكلي" تراجع في مستويات الكفاءة على المدى الطويل ومزيد من التقلبات، فضلا عن أنه يفرض تحديات كبيرة أمام الإطار القائم على القواعد الذي أسهم في تنظيم العلاقات الدولية والاقتصادية على مدار الـ 75 عاما الماضية.
تحيط بهذه التوقعات درجة كبيرة من عدم اليقين تتجاوز النطاق المعتاد. فمن الممكن أن يزداد تباطؤ النمو، بينما يتجاوز التضخم توقعاتنا إذا ما امتدت العقوبات إلى صادرات الطاقة الروسية. وقد يؤدي استمرار انتشار الفيروس إلى ظهور سلالات أكثر فتكا بمقدورها مقاومة التطعيمات، ما قد يتسبب في موجة جديدة من تدابير الإغلاق العام وانقطاعات الإنتاج.
وفي ظل هذه الأوضاع الصعبة، تكتسب السياسات الوطنية والجهود متعددة الأطراف دورا مهما. وسيتعين على البنوك المركزية تعديل سياساتها بشكل حاسم لضمان استمرار ثبات التوقعات التضخمية على المديين المتوسط والطويل. وسيكون من الضروري التواصل بشكل واضح وإعلان إرشادات استشرافية حول آفاق السياسة النقدية للحد قدر الإمكان من خطر التصحيحات المربكة.
وسيتعين على عدة اقتصادات ضبط أرصدتها المالية. غير أنه ينبغي ألا يحول ذلك دون توفير دعم حكومي موجه بدقة للفئات السكانية المعرضة للمخاطر، ولا سيما في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. ويمكن تنفيذ هذه الجهود من خلال إطار متوسط الأجل يتضمن مسارا واضحا وموثوقا نحو استقرار الدين العام، وهو ما قد يساعد على إتاحة الحيز اللازم لتقديم الدعم المطلوب. حتى مع تركيز صناع السياسات على التخفيف من آثار الحرب والجائحة، فهناك أهداف أخرى تتطلب اهتمامهم.
وتتمثل الأولوية الأهم على الإطلاق في إنهاء الحرب. كذلك ينبغي أن يضمن صناع السياسات فعالية شبكة الأمان المالي العالمية. وبالنسبة لبعض الدول، سيعني ذلك ضمان الحصول على سيولة كافية للتغلب على صعوبات إعادة التمويل على المدى القصير. غير أنه سيتعين على دول أخرى تصميم نهج شامل لإعادة هيكلة الدين السيادي. ويتضمن الإطار المشترك لمعالجة الديون الذي وضعته "مجموعة العشرين" إرشادات حول إعادة الهيكلة، وإن كان لم يتم تنفيذه حتى الآن. ويعد غياب إطار فعال وسريع بمنزلة صدع في النظام المالي العالمي.
وينبغي أيضا التركيز خصوصا على الاستقرار الكلي للنظام الاقتصادي العالمي للتأكد من عدم تفكك الإطار متعدد الأطراف الذي أسهم في تحرير مئات الملايين من براثن الفقر.
وتوجد تفاعلات معقدة بين هذه المخاطر والسياسات عبر مختلف الآفاق الزمنية، فارتفاع أسعار الفائدة والحاجة إلى حماية الفئات السكانية المعرضة للمخاطر في مواجهة ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة يجعلان الحفاظ على استدامة المالية العامة أشد صعوبة.
وفي غضون أسابيع قليلة، شهد العالم صدمة كبيرة مجددا. فبمجرد أن بدأت ملامح التعافي الدائم من الجائحة تلوح في الأفق، اندلعت الحرب منذرة بالقضاء على المكاسب التي أمكن تحقيقها أخيرا. وهكذا فإن التحديات العديدة التي نواجهها تقتضي اتخاذ إجراءات ملائمة ومنسقة على صعيد السياسات على المستويين الوطني ومتعدد الأطراف للحيلولة دون تدهور النتائج وتحسين الآفاق الاقتصادية للجميع.
إن أصداء بعيدة وواسعة لتداعيات الحرب تزيد وطأة الضغوط السعرية وتفاقم التحديات الملموسة على مستوى السياسات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي