التصدي لعدم المساواة على جميع الجبهات «1»

يبدو أن جائحة كوفيد - 19 أسهمت على الأرجح في تفاقم أوجه عدم المساواة بشكل دائم، ما سيؤدي إلى زيادة الفروق بين الموسرين والمعوزين في الاقتصادات المتقدمة وانعكاس مسار التقدم المحرز في الاقتصادات النامية. وفقد كثير من العاملين الأقل مهارة والشباب والنساء مصادر الدخل وفرص العمل المتاحة لهم. كذلك نتج عن الجائحة تسارع وتيرة الاتجاهات طويلة الأجل، مثل الأتمتة والتحول الرقمي، وهو الأمر الذي سرعان ما قد يؤدي إلى انتفاء الحاجة إلى عديد من الوظائف. وتهدد الانقطاعات واسعة النطاق التي طالت نظام التعليم بتداعيات دائمة على الفرص المتاحة لشباب الجيل الحالي، ويؤدي عدم المساواة في الحصول على اللقاحات وتباطؤ وتيرة التعافي إلى اتساع الفجوة بين الدول منخفضة الدخل وغيرها.
وهناك حلقة من الارتباط والدعم المتبادل بين عدد من أوجه عدم المساواة، في الدخل والثروات والتحصيل الدراسي وبين الجنسين وفي الصحة والفرص، فعلى سبيل المثال، تجتمع أوجه عدم المساواة في التعليم وبين الجنسين على المرأة لتقوض ارتباطها بسوق العمل وتفرض عليها أوضاعا وظيفية غير مستقرة أو دخلا أقل طوال حياتها. وبالمثل، يمكن أن تستمر أوجه عدم المساواة في الدخل من خلال تباطؤ الحراك الاجتماعي بين الأجيال، والتصدي لقضية عدم المساواة من خلال سياسة أو أداة واحدة أمر غیر ممکن نظرا لطبيعتها المعقدة، بل يتطلب منهجا يقوم على حزمة شاملة من السياسات.
يجب على السياسات في سعيها إلى التصدي لعدم المساواة أن تركز على الدخل السوقي، أي: الدخل قبل الضرائب ومدفوعات التحويلات، أو دخل ما قبل التوزيع، والدخل المتاح عقب إعادة التوزيع من خلال الضرائب والتحويلات. وتساعد سياسات ما قبل التوزيع التي تنتهجها الحكومة للتصدي لمنبع الفروق بين الدخول السوقية، من خلال التعليم العام، على سبيل المثال، في ضمان تكافؤ الفرص. وهذه السياسات رغم أهميتها لا تمثل أداة كافية للحد من أوجه عدم المساواة. ويلزم تدخل الحكومة من خلال التحويلات الاجتماعية والضرائب لمساعدة المواطنين على مواجهة مختلف الأحداث الحياتية المرتبطة بالبطالة أو الشيخوخة أو الأسرة أو الإعاقة أو المرض.
وتتطلب المواجهة الفعالة لعدم المساواة مزيجا من أدوات السياسات الهادفة إلى تحقيق التكافؤ في الفرص قبل دخول المواطنين إلى سوق العمل، وضمان استمرار الأوضاع العادلة والمقبولة اجتماعيا في سوق العمل، وإجراء التصحيحات اللازمة لمعالجة أوجه عدم المساواة من خلال إعادة التوزيع. وكلما ازداد الإنفاق في بلد ما على القطاعات الاجتماعية، مثل: التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، وأعيد توزيع قدر أكبر من الدخل من خلال النظم الضريبية، نجد أنه عادة ما يحقق نجاحا أكبر في المتوسط في الحد من عدم المساواة. وفي هذا الصدد، تعد سياسة المالية العامة الأداة الأكثر مرونة وفعالية في الحد من أوجه عدم المساواة في كل مراحل وجودها... يتبع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي