التجارة العالمية بحاجة إلى تنويع الإمدادات «2 من 2»

وفقا لتقديراتنا، تتراجع تقلبات النمو الاقتصادي في متوسط البلدان بنحو 5 في المائة. غير أن التأثير الوقائي للتنويع لن يكون كافيا إذا تعرضت جميع الاقتصادات لموجة حادة من الانقطاعات في الوقت نفسه، على غرار ما حدث في الأشهر الأربعة الأولى من الجائحة.
ويمكن للبلدان تنويع إمداداتها من خلال تعهيد مزيد من عمليات توريد المدخلات الوسيطة إلى جهات في الخارج. غير أنه يوجد في الوقت الحالي تحيز كبير لتعهيد هذه الإمدادات إلى موردين محليين. فالشركات في نصف الكرة الغربي، تحصل على 82 في المائة من مدخلاتها الوسيطة من موردين محليين. لذلك سيؤدي نقل جزء من الإنتاج من الخارج للداخل، إلى تراجع التنويع بدرجة أكبر.
ويمكن أن تتحقق قابلية الإحلال بطريقين: إما من خلال زيادة مرونة الإنتاج، كما حدث عندما قامت شركة تسلا للسيارات الكهربائية بإدخال تعديلات برمجية على سياراتها لتمكينها من استخدام أشباه موصلات بديلة في ظل أزمة نقص هذه الموصلات، أو من خلال توحيد مواصفات المدخلات على المستوى الدولي. فمثلا، صرحت شركة جنرال موتورز أخيرا بأنها تعمل مع عدد من موردي أشباه الموصلات لخفض عدد الشرائح ذات المواصفات الخاصة التي تستخدمها 95 في المائة، إلى ثلاث مجموعات فقط من هذه الموصلات. وستؤدي هذه الخطوة إلى الاستغناء عن مجموعة كبيرة من الشرائح وتجنب التكلفة الناتجة عن الإحلال فيما بينها. وبالنظر مجددا في سيناريو انكماش عرض العمالة 25 في المائة في أحد كبار موردي المدخلات الوسيطة، توصلنا إلى أن زيادة قابلية الإحلال تؤدي إلى تراجع خسائر إجمالي الناتج المحلي في جميع البلدان بخلاف بلد المصدر بنحو أربعة أخماس.
لا يزال ضمان عدالة الحصول على التطعيمات والعلاجات هو الأولوية الأهم على مستوى السياسات. وتعد تدابير الإغلاق الموجهة التي اتخذتها الصين أخيرا بمنزلة تذكرة بأن القيود المرتبطة بالجائحة لا تزال آثارها تتجاوز حدود البلد المتضرر. لذلك فمن مصلحة جميع البلدان، بما في ذلك البلدان ذات معدلات التطعيم المرتفعة، إنهاء المرحلة الحرجة من الجائحة في كل مكان.
وفي ظل تزايد المخاوف بشأن تجزؤ الاقتصاد العالمي وتشجيع التوريد من البلدان الصديقة في أعقاب الحرب في أوكرانيا، هناك إمكانية زيادة الصلابة من خلال تعزيز قابلية إحلال المدخلات وزيادة تنويعها. وبينما سيكون لقرارات الشركات الدور الأهم في تحديد مدى صلابة سلاسل القيمة العالمية مستقبلا، يمكن أن تساعد السياسات الحكومية في هذا الصدد من خلال إتاحة البيئة الداعمة وخفض التكاليف.
ويمثل تطوير البنية التحتية أحد المجالات المهمة في هذا الصدد بالطبع. فقد اتضح من الجائحة مدى أهمية استثمارات البنية التحتية ببعض المجالات في التخفيف من انقطاعات الإمداد المرتبطة بالخدمات اللوجستية في القطاع التجاري. يساعد تطوير وتحديث البنية التحتية للموانئ الواقعة على مسارات السفن العالمية الرئيسة في الحد من نقاط الاختناق البحرية حول العالم. كذلك يمكن تطوير البنية التحتية الرقمية لتسهيل العمل من بعد، ما يساعد أيضا في الحد من انتقال التداعيات إلى البلدان الأخرى.
ويمكن أن تساعد الحكومات أيضا في إتاحة المعلومات على نطاق أوسع، بحيث يمكن للشركات اتخاذ قرارات استراتيجية أكثر كفاءة. فمثلا تعمل مصانع السيارات بصورة مباشرة مع نحو 250 موردا رئيسا في المتوسط، ويرتفع هذا العدد إلى 18 ألف مورد في سلسلة القيمة ككل. لذلك يمكن تحسين إمكانية الحصول على المعلومات الخاصة بالمعاملات بين الشركات وشبكات سلاسل الإمداد، بما في ذلك من خلال رقمنة سجلات الشركات، كالإقرارات الضريبية، وهو أمر مفيد ولا سيما بالنسبة إلى الشركات الأصغر حجما ذات الموارد المحدودة.
وأخيرا، يساعد خفض تكلفة التجارة في تنويع المدخلات. وهناك فرصة للحد من الحواجز غير الجمركية، ما سيسهم في إعطاء دفعة قوية للاقتصاد على المدى المتوسط، ولا سيما في الأسواق الصاعدة والبلدان النامية منخفضة الدخل. ومما سيساعد أيضا في زيادة التنويع الحد من عدم اليقين بشأن السياسات التجارية، وإرساء نظام سياسات تجارية منفتح ومستقر وقائم على القواعد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي