هل الركود التضخمي الجديد مقاوم للسياسات؟ «2 من 2»
تتمثل أدوات ملاحقة هذه الأهداف في السياسة النقدية، والسياسة المالية، والأطر التنظيمية. وكل منها يـسـتـخـدم، على التوالي، لمعالجة التضخم، ودعم النشاط الاقتصادي، وفرض العقوبات. علاوة على ذلك، حتى وقت قريب، كانت سياسات إعادة الاستثمار وفرار تدفقات رأس المال إلى الأمان تعمل على الإبقاء على أسعار الفائدة طويلة الأجل عند مستوى منخفض من خلال إدامة الضغوط التي تدفع عائدات سندات الخزانة والسندات الألمانية ذات العشرة أعوام إلى الانخفاض.
بسبب التقاء العوامل على هذا النحو، وصل النظام إلى توازن مؤقت، مع التعامل مع كل من الأهداف الثلاثة جزئيا. لكن الدلائل الأخيرة في السوق ـ الارتفاع الكبير في أسعار الفائدة طويلة الأجل والفوارق داخل منطقة اليورو ـ تشير إلى أن هذا المزيج من السياسات سيصبح غير كاف، وهذا من شأنه أن يـنـتـج اختلالات توازن جديدة.
قد يـفـضي التحفيز المالي والعقوبات المفروضة على روسيا إلى تغذية التضخم، وبالتالي إلحاق هزيمة جزئية بالجهود التي يبذلها صناع السياسات النقدية. علاوة على ذلك، ستصبح الحملة التي تنظمها البنوك المركزية لترويض التضخم من خلال زيادة أسعار الفائدة الرسمية متعارضة مع سياسات الميزانية العمومية التيسيرية، وقد يؤدي هذا إلى ارتفاع أسعار الفائدة الأطول أجلا والفوارق السيادية، التي تنجرف بالفعل بشكل حاد نحو الصعود.
وستضطر البنوك المركزية إلى مواصلة محاولات التوفيق بين هدفين غير متوافقين، ترويض التضخم والإبقاء في الوقت ذاته على أسعار الفائدة طويلة الأجل "أو الفوارق داخل منطقة اليورو" منخفضة من خلال سياسات الحفاظ على الميزانية العمومية. وفي الوقت ذاته، ستستمر الحكومات في تغذية الضغوط التضخمية من خلال الحوافز المالية والعقوبات المستمرة.
بمرور الوقت، قد تتسبب السياسات النقدية الأكثر إحكاما في تباطؤ النمو أو الركود الصريح. لكن خطرا آخر يتمثل في تقييد السياسة النقدية بفعل تهديد الانزلاق إلى فخ الديون. ومع ارتفاع الديون العامة والخاصة إلى مستويات تاريخية كحصة من الناتج المحلي الإجمالي، لا يستطيع القائمون على البنوك المركزية دفع تطبيع السياسة إلى مسافة أبعد دون أن يجازفوا بإحداث انهيار مالي في أسواق الديون والأسهم.
عند هذه المرحلة، ربما تستسلم الحكومات تحت الضغط من قـبـل المواطنين الساخطين إلى إغراء المسارعة إلى الإنقاذ من خلال تحديد سقف للأسعار والأجور وفرض الضوابط الإدارية لترويض التضخم. الواقع أن هذه التدابير أثبتت فشلها في الماضي "حيث تسببت في التقنين، على سبيل المثال" ـ خاصة في سبعينيات القرن الـ 20 التي شهدت حالة من الركود التضخمي ـ ولا يوجد سبب يحملنا على الاعتقاد بأن هذه المرة ستكون مختلفة. بل إن بعض الحكومات قد تتسبب في زيادة الأمور سوءا على سوء، ولنقل من خلال إعادة إدخال آليات الجدولة التلقائية للرواتب ومعاشات التقاعد.
في مثل هذا السيناريو، سيدرك جميع صناع السياسات حدود الأدوات المتاحة لهم. وستدرك البنوك المركزية أن قدرتها على السيطرة على التضخم محدودة بالحاجة إلى الاستمرار في تحويل الديون العامة والخاصة إلى نقود. وسترى الحكومات أن قدرتها على الإبقاء على العقوبات المفروضة على روسيا مقيدة بالتأثيرات السلبية التي تخلفها على اقتصاداتها "من حيث النشاط الكلي والتضخم".
ينطوي الأمر على نهايتين محتملتين. فقد يتخلى صناع السياسات عن أحد أهدافهم، ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، أو انخفاض النمو، أو ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل، أو تخفيف العقوبات ـ وربما يأتي هذا مصحوبا بانخفاض مؤشرات الأسهم. بدلا من ذلك، قد يكتفي صناع السياسات بتحقيق كل هدف بشكل جزئي فقط، وهو ما قد يـفـضي إلى نتيجة كلية دون المستوى الأمثل من ارتفاع التضخم، وانخفاض النمو، وارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل، وتخفيف العقوبات ـ مع ظهور مؤشرات أسهم أكثر انخفاضا وعملات ورقية مخفضة القيمة. في كلتا الحالتين، ستستشعر الأسر والمستهلكون بالضغوط الموجعة، ولن يخلو هذا من عواقب سياسية محتملة على طول الطريق.
خاص بـ "الاقتصادية"
بروجيكت سنديكيت، 2022.