مسؤولية الجمعيات الخيرية
تطورت سبل التبرع بالصدقات النقدية ودفع زكاة المال مع تطور التقنية وتوافر أدواتها التي قطعنا فيها شوطا كبيرا، ولا شك أن هذا الجهد التقني يحسب للجهات الحكومية المعنية من وزارة الداخلية إلى وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية والجمعيات الخيرية التي تشرف عليها.
ولمعرفة أين كنا، أتذكر بعض الإخوة من فاعلي الخير وكيف كانوا يبحثون عن المستحقين المتعففين بعناء وبطرق مختلفة، كالتواصل مع أئمة مساجد ومؤذنين في الأحياء الشعبية لمعرفة الأسر الفقيرة، وكان مثل هذا السعي يحقق في الغالب تجاوبا إيجابيا وأحيانا يصطدم بتمنع عن ذكر الأسماء أو الدلالة على منازل تلك الأسر، بعذر الحفاظ على الخصوصية، ويشترط مثل هؤلاء المعتذرين دفع الأموال لهم وهم من يوصلها إلى مستحقيها، وكان هذا سببا لخلافات تحرم بعض المستحقين من أموال هم بحاجة إليها، وكان بعض الموفقين من رجال الأعمال يذهبون إلى السجون ومعهم "الكاش" ويطلبون من المسؤولين في السجن قوائم لمساجين عليهم حقوق مالية، أو يمكن إطلاق سراحهم بدفع مال، حرصا على معرفة المستحقين في صرف هذه الأموال، وقد يجدون تعاونا في توفير المعلومات المطلوبة وقد لا يجدون حسب اجتهاد الضابط الموجود عند حضورهم.
الآن اختلف الوضع وأصبحت المنصات الرقمية التي تشرف عليها الجهات الحكومية متاحة ومتنوعة، ولا شك أن هذا الضبط مع التيسير في الوصول حقق كثيرا من الإيجابيات وأسهم في الحد من سوء استغلال هذه الأموال أو سوء صرفها لغير مستحقيها. هذا النجاح الرقمي من المهم البناء عليه وتطويره، خاصة في شرح الحالة المستهدفة من المستحقين وأسباب استحقاقهم، حتى يتوافر للجميع على اختلافهم من المتبرعين ما يحقق لهم الاطمئنان لوجهة صدقاتهم أو زكاتهم.
مع هذا التغير الإيجابي في استقبال أموال الصدقات والزكاة، لا ألمس تطورا متوازيا معه في عمل الجمعيات الخيرية في شرح أعمالها بوضوح، وأيضا في تفاعلها الضعيف مع الحالات التي تعلن نفسها في وسائل التواصل، ولا يعرف مدى صحة استحقاقها، وهم في الجمعيات لديهم وسائل التحقق والبحث والتحري، وأجد أن التحول الرقمي الكبير الذي نعيشه قد زاد من حمل المسؤولية على الجمعيات الخيرية في البحث عن الأسر الفقيرة المتعففة، التي قد تتحول إلى ضحية لهذا التحول لأسباب مختلفة منها، عدم الإلمام منهم بهذا التحول إضافة إلى توجه من كان يتواصل معهم ويصلهم بصدقات وزكاة إلى المنصات الرقمية.