تسليط الضوء على الدين «2 من 3»

ارتفعت مخاطر الدين في الوقت الحالي، ويحتمل أن يظل الوضع على ما هو عليه أعواما عدة مقبلة، إذ أدت الجائحة إلى زيادة إجمالي الاحتياجات التمويلية للقطاع العام بشكل دائم في اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية، وتضاءلت مصادر التمويل المحلي في عديد من هذه الاقتصادات. وإذا ما استمرت الضغوط التضخمية، فإن هذه الاقتصادات ستصبح أقل قدرة على الاقتراض من البنوك المركزية المحلية - على غرار ما قامت به عدة دول بصورة مكثفة منذ أوائل عام 2020. وقد تؤدي هذه التطورات إلى جعل اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية أكثر اعتمادا على التمويل الخارجي، وعرضة لمزيد من المخاطر في حالة توقف التمويل الخارجي على نحو مفاجئ. وأخيرا وليس آخرا، عادة ما تتجاوز الاحتياجات التمويلية والديون المستويات المتوقعة.
يواجه عديد من الحكومات المدينة الراغبة في تجنب الاختلالات الناجمة عن حالات التعثر المطولة عقبة رئيسة: فكثير من دائنيها أو المؤسسات المالية الدولية الداعمة لها لا تتوافر لها معلومات كاملة عن حجم خصومها الحقيقي والشروط المطبقة عليها. وخلال الفترة التي شهدت ارتفاع الأسعار العالمية للسلع الأولية ورخاء نسبيا استمر حتى عام 2014 تقريبا، سعى عديد من اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية، إلى الاقتراض من خارج دائني نادي باريس الرسميين، وحصلت بالفعل على قروض ضخمة من حكومات أخرى، ولا سيما الصين. ولم تسجل نسبة كبيرة من هذه الديون في قواعد البيانات الرئيسة وظلت خارج مجال مراقبة شركات التصنيف الائتماني، كذلك تفاقم حجم الاقتراض الخارجي لدى الشركات المضمونة من الدولة أو المملوكة لها التي لا تلتزم بمعايير إبلاغ متسقة. وأدت تلك الطفرة في مستويات الديون الخفية إلى مزيد من عمليات إعادة هيكلة الديون التي تتم خارج السجلات والتعثرات الخفية، وبالمثل، لا تتوافر معلومات عن الشروط التي تسري على هذه الديون أو على اتفاقيات إعادة هيكلتها. وتشير التجارب التاريخية إلى أن هذا الغموض دائما ما يؤدي إلى انحراف جهود حل الأزمات عن مسارها أو تأخيرها على الأقل.
ولا يقتصر عدم شفافية الميزانيات العمومية على القطاع العام. فحسب تقرير عن التنمية في عالم 2022، قامت دول كثيرة بإرخاء متطلباتها المحاسبية والتنظيمية، إلى جانب تقديم الضمانات للتخفيف من أثر الجائحة في الاقتصاد. ومن التداعيات غير المقصودة لهذه التدابير إمكانية زيادة القروض غير المنتظمة التي لا تعكسها الميزانيات العمومية للبنوك حتى الآن. وأدت زيادة القروض المتعثرة الخفية، إلى جانب ارتفاع حيازات الدين السيادي، إلى تعزيز حلقة الارتباط بين الكيانات السيادية والبنوك التي يقصد بها أن السلامة المالية للبنوك أصبحت أكثر ارتباطا بالسلامة المالية للحكومات. فغالبا ما وقعت أزمات البنوك والدين السيادي بفاصل زمني بسيط، وعززت الجائحة حلقة الدمار المتبادل تلك، كما زادت من عدم شفافية الميزانيات العمومية في القطاعين العام والخاص.
يتطلب دعم التعافي الاقتصادي في اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية وحل مشكلات الدين السيادي في الدول التي بلغت بالفعل حالة المديونية الحرجة، وضع استراتيجية شاملة كخطوة أولى لزيادة شفافية القطاع العام والقطاع المالي وقطاع الشركات، وتقييم مخاطر الميزانيات العمومية التي تم الكشف عنها وعلاجها. ومر ما يزيد على عام منذ إطلاق "مجموعة العشرين" للإطار الموحد لمعالجات الديون، الذي يهدف إلى التعامل مع الكيانات السيادية التي تواجه مشكلات دین دائمة، غير أنه لم تتم إعادة هيكلة أي ديون على الإطلاق حتى الآن. وعلى غرار الفترات السابقة يرجع هذا التأخير لأسباب متفاوتة يشترك فيها الدائن والمدين، ويتعين على جميع الأطراف المعنية اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان تحقيق الغرض المرجو من الإطار. وتتضمن هذه الإجراءات توضيح الخطوات اللازمة لتنفيذ الإطار وجدولها الزمني وتعليق مدفوعات خدمة الدين لحين إتمام المفاوضات.
وتعد عقود الدين من المسائل المهمة التي تتطلب مزيدا من الشفافية. فبخلاف الشروط المعتادة "أجل الاستحقاق وأسعار الفائدة والعملة"، غالبا ما لا يتم الإفصاح عن العناصر الأساسية "الضمانات وشروط تعميم التقصير في السداد وشروط السرية وغير ذلك" لعديد من عقود الدين في الاقتصادات الصاعدة. ورغم ارتفاع حجم الدين العام الخارجي المضمون في الأعوام الأخيرة، لا يوجد سوى قليل من المقاييس الدقيقة التي يمكن استخدامها لتحديد مدى انتشاره. ويتركز الاعتماد على إصدارات السندات المشتركة المضمونة والقروض من دائني القطاع الخاص في دول قليلة تتضمن عقودا مع تجار النفط لا تتوافر عنها معلومات واضحة. ويشير بعض الشواهد أيضا إلى أن عديدا من القروض الثنائية المقدمة من الصين لمشاريع البنية التحتية مشمولة بضمانات (دراسة Gelpern and others 2021)... يتبع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي