التضخم ينهش جيوب فقراء العالم «2 من 2»
يؤدي ارتفاع معدلات التضخم إلى تفاقم عدم المساواة أو الفقر، لأن تأثيره في دخل الأسر الأفقر أو متوسطة الدخل ومدخراتها يكون أشد مقارنة بما يلحق بالأسر الثرية. وربما تجد الأسر التي تمكنت من الإفلات من الفقر في الآونة الأخيرة نفسها تسقط مرة أخرى في براثنه بسبب ارتفاع معدلات التضخم.
وبخصوص تركيبة سلة الاستهلاك، فالواقع أنه قد تعاني الأسر الأفقر معدلات تضخم أعلى مما تتعرض له الأسر الثرية. ويتم حساب مقاييس تضخم أسعار المستهلك باستخدام سلة السلع التي تمثل استهلاك الشخص العادي. إلا أن التركيبة الفعلية للإنفاق تختلف اختلافا كبيرا حسب شرائح الدخل. على سبيل المثال، تنفق الأسر الأقل دخلا في دول الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية نحو 50 في المائة من دخلها للحصول على المواد الغذائية. أما الأسر الأعلى دخلا، فلا تتجاوز نسبة إنفاقها على المواد الغذائية 20 في المائة من دخلها. ويمكن أن تحدث الزيادة الأخيرة في أسعار الغذاء والطاقة تأثيرا غير متناسب في الأسر الأشد فقرا. وفي أوقات الأزمات الاقتصادية، يمكن للأسر مرتفعة الدخل التحول بسهولة من سلع أعلى جودة إلى سلع أقل جودة. ويمكنها أيضا الاستفادة على نحو أكبر من الخصومات على عمليات الشراء والمبيعات بالجملة. بطبيعة الحال، لا تتاح هذه الخيارات للأسر الفقيرة.
في بعض الاقتصادات الصاعدة والاقتصادات النامية، ينطوي ارتفاع أسعار المواد الغذائية على احتمال تحقيق فائدة لشريحة كبيرة من الفقراء. ففي الاقتصادات النامية المتوسطة، يعمل أكثر من خمس عدد الأسر ـ التي توجد حول خط الفقر أو تحته ـ في مجال بيع المواد الغذائية ولا يشترونها. ومن ثم، فإن ارتفاع أسعار المواد الغذائية قد يصب في مصلحتهم. وعلى الرغم من ذلك، لا تزال الأغلبية العظمى من الفقراء في الاقتصادات النامية مشترين للمواد الغذائية ولا يبيعونها، لذلك تؤدي الزيادات الحادة في أسعار الغذاء إلى زيادة معدلات الفقر بصفة عامة.
دأبت الحكومات منذ فترة على اللجوء إلى تقديم الدعم للأسر لتخفيف تأثير التضخم فيها. في بعض الحالات، يمكن أن يصبح الدعم أداة انتقالية فعالة للتخفيف من تأثير الصدمات. إلا أن عملية تقديم الدعم تستمر لفترة طويلة للغاية، ما يؤدي دائما إلى حدوث آثار سلبية، فسرعان ما قد ينتقص الدعم من الإنفاق على البنية التحتية والصحة والتعليم. ويذهب دعم الطاقة غالبا إلى الأسر الأكثر ثراء مقارنة بالأسر الأفقر، ومن ثم، يشجع الاستهلاك الزائد على الحاجة.
ومما يثير القلق أن حكومات عديدة تدرس حاليا اللجوء إلى القيود على التجارة وحظر التصدير لحماية عمليات توريد المواد الغذائية المحلية. ويجب على تلك الحكومات الامتناع عن هذا الأمر. فسياسات من هذا القبيل التي تبدو مناسبة على مستوى دولة ما قد تكون لها عواقب عالمية وخيمة. ففي ظل الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية في 2010 ـ 2011، أدت القيود التجارية إلى تفاقم الزيادة في الأسعار العالمية، ودفعت ملايين الأشخاص إلى براثن الفقر، على الرغم من أنها قللت من ارتفاع الأسعار المحلية.
ومن ثم، يتعين على واضعي السياسات بدلا من ذلك الاستعانة بسياسات الرعاية الاجتماعية لحماية الأشخاص الأشد فقرا من ارتفاع الأسعار. ومن الممكن أن تشمل هذه السياسات شبكات أمان موجهة، مثل: التحويلات النقدية، والمواد الغذائية، والتحويلات العينية، وبرامج التغذية المدرسية، وبرامج الأشغال العامة. ويوفر حساب مؤشرات التضخم لشرائح الدخل المختلفة معلومات أفضل عن التضخم الذي يعانيه الفقراء بالفعل، ويجب أن يوجه تصميم شبكات الأمان الاجتماعي. وستكون هناك حاجة إلى تعاون وتواصل على الصعيد الدولي لتجنب أي إجراءات انتقامية.
إضافة إلى ذلك، فإن البنوك المركزية في الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية تحركت بسرعة لكبح جماح التضخم. وعند اتخاذ أي قرار بشأن ما يجب فعله بعد ذلك، يجب على مسؤولي تلك البنوك أن يضعوا في حسبانهم الآثار المحتملة في معدلات الفقر وعدم المساواة. ويمكن للحكومات أيضا تحسين قدرتها على الحصول على الأدوات المالية التي قد تحمي القيمة الحقيقية لممتلكات الأسر الفقيرة من التضخم ـ وسيساعد تحفيز مزيد من المنافسة في القطاع المالي على تحقيق هذه النتيجة.